البنوك المركزية تحذر من مخاطر العملات المستقرة المقومة بالدولار على الأسواق الناشئة
حذّر مسئولون بارزون في البنوك المركزية من أن التوسع المتسارع في استخدام العملات المستقرة الأمريكية في المدفوعات الدولية قد يُسرّع ظاهرة “دولرة” اقتصادات الأسواق الناشئة، ويقوّض قدرتها على التحكم في التدفقات المالية، ويفتح المجال أمام أنشطة غير مشروعة.
وأوضح بنك التسويات الدولية أن العملات المستقرة، وهي أصول رقمية مرتبطة بعملات تقليدية مثل الدولار، تطرح مخاطر جدية على نزاهة النظام المالي، وقد تسهّل التحايل على الأطر التنظيمية.
وأشار المدير العام للبنك، إلى أن تزايد استخدامها قد يسهّل تجاوز ضوابط رأس المال في الدول النامية، ويعزز مخاطر الدولرة، فضلاً عن فتح قنوات جديدة للتهرب الضريبي، لافتاً إلى تقديرات تفيد بأن هذه العملات تمثل حالياً الجزء الأكبر من المعاملات غير المشروعة داخل منظومة الأصول الرقمية، بحسب صحيفة فاييننشال تايمز.
وقد طُرحت هذه المخاوف خلال اجتماعات صندوق النقد الدولي والبنك الدولي في واشنطن الأسبوع الماضي، حيث اعتبر عدد من صناع السياسات المالية أن انتشار العملات المستقرة المقومة بالدولار يشكل تهديداً للاستقرار المالي في الأسواق الناشئة.
من جهته، قال أندرو بيلي، محافظ بنك إنكلترا ورئيس مجلس الاستقرار المالي، إن التركيز ينصب على مدى تحول هذه العملات إلى بديل فعلي للعملات المحلية، مشيراً إلى تباطؤ التقدم في وضع قواعد تنظيمية دولية لها.
وجاء النمو السريع للعملات المستقرة مدفوعاً بدعم الرئيس الأمريكي دونالد ترامب للأصول الرقمية، وهو ما ساهم في إقرار تشريع يهدف إلى إدماج هذا القطاع ضمن الإطار التنظيمي المالي، علماً أن نحو 98% من سوق العملات المستقرة العالمية، البالغة قيمتها 315 مليار دولار، مقومة بالدولار.
في المقابل، أشار مسئولون في صندوق النقد الدولي إلى أن هذه العملات قد تعزز المنافسة وتخفض تكاليف المدفوعات، مؤكدين أن بإمكان الدول الحد من مخاطر الدولرة عبر تحسين أطرها الاقتصادية الكلية.
وبدأت بعض الدول اتخاذ إجراءات تنظيمية، إذ عدّلت البرازيل قوانينها لإخضاع مزوّدي العملات المستقرة لقواعد مكافحة غسل الأموال، وفرضت سقفاً يبلغ 100 ألف دولار على العديد من التحويلات الخارجية.
وأوضح توبياس أدريان، مدير إدارة الأسواق النقدية والرأسمالية في الصندوق، أن العملات المستقرة المقومة بالدولار تمثل بالفعل حصة معتبرة من المدفوعات، خصوصاً عبر الحدود، في بعض الأسواق الناشئة، مشيراً إلى أنها توفر مزايا مثل السرعة وانخفاض التكلفة، لكنها في المقابل تطرح تحديات، أبرزها تهديد السيادة النقدية.
وتُستخدم هذه العملات بشكل متزايد في الدول الناشئة كوسيلة للتحوط من التضخم المرتفع، وتجاوز قيود المدفوعات الدولية، والحماية من تراجع قيمة العملات المحلية.
وتوقعت تقديرات أن ترتفع مدخرات الأفراد في الأسواق الناشئة المقومة بالعملات المستقرة الدولارية من 173 مليار دولار في نهاية العام الماضي إلى 1.22 تريليون دولار بحلول نهاية 2028، رغم أن ذلك سيظل يمثل نحو 2% فقط من إجمالي الودائع المصرفية في تلك الدول.
ومن المرجح أن يكون هذا النمو أقوى في الدول التي شهدت أزمات حديثة في ميزان المدفوعات أو تخضع لبرامج استقرار مع صندوق النقد الدولي، مثل مصر وباكستان وبنغلاديش.
وفي المقابل، حذّر خبراء من أن هذه التطورات قد تقوّض فعالية ضوابط رأس المال، بينما أبدى بنك التسويات الدولية تحفظاً مستمراً تجاه العملات المستقرة، مشيراً إلى أنها لا تؤدي وظائف النقود بشكل كافٍ.
ويعمل البنك حالياً مع بنوك مركزية ومؤسسات مالية على تطوير بدائل رقمية، مثل الودائع المُرمّزة، لتوفير نظام مدفوعات أكثر أماناً وكفاءة.
كما حذّرت مجموعة العمل المالي في تقرير صدر في مارس من أن العملات المستقرة أصبحت أداة جذابة للاستخدامات الإجرامية، مشيرة إلى أن العملات الافتراضية باتت وسيلة مفضلة لغسل عائدات الجرائم الإلكترونية مثل هجمات الفدية والاحتيال.


















