هي وهما
السبت 31 أكتوبر 2026 11:26 صـ 19 جمادى أول 1448 هـ
هي وهما رئيس مجلس الإدارةأميرة عبيد
السفيرة سها جندي: هجرة الكوادر لا تشكل خطرًا على مصر وهذا هو التحدي الحقيقي مؤسس مبادرة ”المصري أصلي”: هدفنا تأهيل الشباب والمرأة مهنيًا وتقديم تدريبات على الحرف اليدوية آلاف الخريجين بلا تكليف| نقيب أطباء الأسنان يطلق تحذير عاجل على الهواء رئيس الاستطلاع الأسبق: تأمين البحر الأحمر مسؤولية الدول المتشاطئة.. ورفض عسكرة الممر المائي ضرورة السفيرة سها جندي: الجندي المصري صناعة وطنية 100% وعقيدته الفريدة تجعله خارج المقارنات وزير الري السابق: مصر تتعامل مع تحديات المياه باستراتيجية شاملة واستباقية نائب رئيس شعبة الذهب يكشف: 3 اختيارات أمام المستهلك لشراء المشغولات الذهبية غرفة الصناعات الغذائية: رفع الفائدة يهدد بزيادة أسعار السلع الغذائية من الدولار في العقود الآجلة عند 65 جنيهًا إلى تأثير رفع الفائدة على الاستثمار.. خبير يوضح هبوط حاد في الأسعار.. شعبة الذهب تكشف أسباب تراجع الشراء بأكثر من 50% لماذا تراجع الجنيه المصري؟ خبير اقتصادي يوضح الأسباب والتوقعات من الرابح والخاسر من قرار رفع الفائدة في مصر؟ خبير اقتصادي يجيب

آراء هي وهما

الدكتور أحمد عبود يكتب: حين تسقط القيم.. أزمة السلوك التي تهدم المجتمعات في صمت

لم تعد أزمة السلوك أزمة فردية تنتهي بتقويم شخص هنا أو هناك، بل أصبحت ظاهرة متغلغلة تهدد البناء الاجتماعي والنفسي للأمم، خاصة في مجتمعاتنا العربية التي طالما تفاخرنا فيها بقيم الشهامة والمروءة والاحترام وصلة الرحم والتدين الفطري. هذه الأزمة التي بدأت خيوطها تضعف منذ سنوات، انفجرت مظاهرها في العقد الأخير حتى أصبحت مألوفة، بل ومبررة أحيانًا، مما ينذر بانهيار خطير في منظومة الأخلاق التي كانت سياجًا يحمي المجتمعات من الانفلات.

أزمة السلوك هي ببساطة انهيار الضوابط الداخلية لدى الفرد، حيث يُستبدل الضمير الحي بالمصلحة الشخصية، ويُقدَّم الهوى على الواجب، ويُستبدل الحياء بالجرأة الفجة، ويُرفع شعار “أنا ومن بعدي الطوفان”. صرنا نرى أبناءً يعقّون آباءهم علنًا، وطلبة يعتدون على معلميهم، وشبابًا يسخرون من المسنين، ومستخدمين لمواقع التواصل ينشرون العنف والسخرية ويبررون الكذب والغش والشتائم بدعوى حرية الرأي أو "التريند". أما الأمانة، فقد أصبحت عند البعض سذاجة، والاحترام ضعفًا، والصدق غباء، والحياء عقدة يجب التحرر منها!

المؤسف أن هذه السلوكيات المنحرفة لم تأت من فراغ، بل كانت نتيجة تراكمات طويلة، بدأت بضعف التربية الأسرية بعد أن انشغل الوالدان بلقمة العيش وتركوا أبناءهم للأجهزة والشاشات. ثم جاءت المدرسة، فلم تعد تربي قبل أن تُعلّم، وانهار دور المعلم الذي أصبح عاجزًا عن تأديب الطالب دون أن يُحاسَب. تزامن هذا مع إعلام بلا ضوابط، يروّج للنماذج السطحية، ويمنح الشهرة لأصحاب الصخب والسخافة على حساب العلماء والمبدعين. ناهيك عن وسائل التواصل الاجتماعي التي حوّلت "اللا شيء" إلى مادة للضحك والاستهلاك اليومي، وروّجت للنرجسية والتنمر والانحلال.

غياب القدوة الحقيقية أحد أهم أسباب تفشي أزمة السلوك. حين يرى الطفل أن الكاذب يُكافأ، وأن الانتهازي يصل، وأن الفاسد يعيش مرفّهًا، بينما الشريف يُضطهد، والصادق يُهمّش، فلا تنتظر منه أن يسير في طريق الاستقامة. إن الإنسان كائن يتعلّم بالتقليد أكثر مما يتعلّم بالنصائح، وإذا لم يرَ في محيطه من يجسّد القيم التي يُطالب بها، سيتحوّل سريعًا إلى شخص عمليّ لا يعبأ إلا بمصالحه، حتى لو دهس في طريقه كل المبادئ.

الأخطر من كل ذلك، أن أزمة السلوك لا تضر بالفرد وحده، بل تدمّر المجتمع بأسره. فعندما تضعف القيم، تنهار الثقة بين الناس، ويكثر الظلم، وتفشو الجريمة، ويصير القانون عاجزًا عن ملاحقة كل مخالفة، لأن الضمير الذي كان يردع في الخفاء قد مات. وإذا فُقد الشعور بالمسؤولية، ضاع العمل، وفسدت الإدارة، وتعثّر الاقتصاد، وتوقّف الإبداع، وانسحب الجميع إلى دوائر الأنانية واللامبالاة.

إن علاج أزمة السلوك لا يحتاج فقط إلى قوانين، بل إلى ثورة أخلاقية تبدأ من داخل الأسرة، تمرّ بالمدرسة، وتُفعَّل في الإعلام، وتُترجم في سلوك المسؤولين، وتُجسّد في القدوات الحقيقية. لا بد من إعادة الاعتبار للتربية قبل التعليم، وللقيم قبل المهارات، وللأخلاق قبل التفوق. لا بد من أن نستثمر في الإنسان، لا فقط في البنية التحتية. نحتاج إلى إعلام مسؤول يُبرز النماذج الناجحة الصامتة، لا أن يلمّع السفهاء. نحتاج إلى إعادة بث روح الحياء والاحترام في نفوس الشباب، إلى إحياء فضائلنا التي كادت تنقرض.

فالمجتمعات التي تنهار سلوكياتها، تنهار معها حضارتها، حتى وإن امتلكت أحدث التكنولوجيا. وما لم ندرك حجم هذا الخطر الآن، فقد نصحو غدًا على جيل لا يعترف بشيء اسمه "قيمة"، ولا يخضع لشيء اسمه "ضمير"، وعندها لن ينفع الندم، لأن الأخلاق إذا ذهبت، لا تعود بسهولة