اكتشاف يقلب الموازين.. الاكتئاب الحاد ليس مرضاً واحداً
في تحول جذري لفهم الطب النفسي لاضطرابات المزاج، كشفت دراسة حديثة أن الاكتئاب الشديد قد لا يكون مرضاً أحادي النمط كما ساد الاعتقاد طويلاً، بل يتألف من شكلين بيولوجيين متميزين كلياً، لكل منهما بصمته الجينية ومساره الصحي الخاص، هذا الاكتشاف الثوري يفتح الباب على مصراعيه لتجاوز حقبة العلاجات الموحدة، والتمهيد لعصر الطب الدقيق الذي يفصل العلاج على قياس الجينوم البشري لكل مريض.
لغز الأعراض المتناقضة
لطالما حار الأطباء في تباين الأعراض بين مرضى الاكتئاب الشديد (MDD)؛ فبينما يغرق بعض المرضى في نوبات من النوم المفرط وزيادة الوزن، يعاني آخرون من أرق مزمن ونحول ملحوظ، ورغم هذا التباين الشاسع، كانت الحالتان تُحشرأن تحت مظلة تشخيصية واحدة، وتتلقيان ذات العلاج الدوائي، مما يفسر التفاوت الكبير في نسب الاستجابة والشفاء.
ولفك طلاسم هذا الاختلاف، عكف فريق بحثي على تحليل البيانات الجينية لأكثر من 460 ألف شخص، مقارنين بين أنماط متعددة للاكتئاب، لتسفر النتائج عن واقع بيولوجي جديد ينقسم إلى مجموعتين رئيسيتين:
النمط الأول (فرط النوم وزيادة الوزن): أظهرت النتائج أن المصابين بهذا النمط يحملون مؤشرات بيولوجية ترتبط ارتباطاً وثيقاً بارتفاع كتلة الجسم، وزيادة الالتهابات في الجسم، فضلاً عن مضاعفات صحية خطيرة تشمل السكري من النوع الثاني، وارتفاع ضغط الدم، وأمراض القلب.
النمط الثاني (الأرق وفقدان الوزن): تميز أصحابه بخصائص جينية فريدة ارتبطت بانخفاض خطر الإصابة بالسكري، بينما ظهرت لديهم تقاطعات جينية محتملة مع بعض الاضطرابات العصبية المعقدة مثل الفصام.
خريطة جينية جديدة
لم تقتصر الدراسة على تحديد هذين الشكلين، بل نجحت في كشف النقاب عن 27 موقعاً جينياً مرتبطاً بالاكتئاب الشديد، تتضمن مواقع تُكتشف للمرة الأولى، فضلاً عن رصد نمط ثالث هجين يجمع بين خصائص المجموعتين.
ويرى الباحثون أن هذه المعطيات تمثل حجر الأساس لإحداث ثورة في علاج الاضطرابات النفسية، إذ توفر فهماً أعمق للروابط المشتركة بين اضطرابات التمثيل الغذائي والاكتئاب، وتعد بتصميم أدوية مستهدفة تتعامل مع الجذور البيولوجية لكل حالة على حدة، لتغدو رعاية مرضى الاكتئاب أكثر دقة وفعالية من أي وقت مضى.


















