آثار سلبية للعمل أثناء الليل.. تعرف عليها
في الوقت الراهن، بدأ العلماء في استكشاف ما إذا كان تغيير أسلوب النوم قد يسهم في الحد من الأضرار الناجمة عن العمل في نوبات ليلية، وربما تخفيف الآثار السلبية لاضطراب النوم ليلاً، كما تختبر دراساتهم نظريةً مفاجئةً مفادها أن تقسيم النوم إلى فترتين منفصلتين، بدلاً من محاولة إجبار الجسم على النوم لفترة متصلة واحدة، قد يكون في الواقع نمط النوم الأكثر فعاليةً للأشخاص الذين يعملون ليلاً.
ولفهم تأثير العمل بنظام المناوبات على الجسم، يجدر بنا النظر في ما تشير إليه الأبحاث الحديثة حول النوم بحد ذاته، فالنوم يؤدي وظائف تتجاوز مجرد منح الدماغ والجسم قسطاً من الراحة.
فعندما ننام، يقوم الدماغ بتثبيت ذكريات اليوم، ومعالجة المشاعر، وحل المشكلات التي استعصت علينا خلال ساعات اليقظة، كما يعمل النوم على تعزيز الدفاعات المناعية وترميم الأنسجة العضلية.
ويقول البروفيسور راسل فوستر، عالم أبحاث النوم في جامعة أكسفورد والذي كرّس مسيرته المهنية لدراسة البيولوجيا الحيوية للدماغ أثناء النوم: "يُعد النوم ركيزة أساسية لصحتنا، تماماً مثل النظام الغذائي وممارسة الرياضة، لذلك علينا أن نولي اهتماماً خاصاً للتحكم فيه وتنظيمه".
وفي ضوء ذلك، يتضح لنا حجم العبء الذي يفرضه العمل بنظام الورديات، فالأمر لا يقتصر على الشعور بالتعب فحسب، بل قد ينطوي على تعطيل متكرر لنظام حيوي يؤدي وظائف خفية تفوق بكثير ما يدركه معظم الناس.
ومن أبرز الاكتشافات في السنوات الأخيرة أن الدماغ يقوم بعملية تنظيف ذاتي أثناء النوم، إذ توجد في أعماق المادة الرمادية شبكة تصريف تُعرف بـ"الجهاز الغليمفاوي" حيث تتدفق السوائل عبر قنوات دقيقة محاذية للأوعية الدموية في الدماغ، لتغسل وتزيل الفضلات التي تتراكم خلال ساعات اليقظة.
بدأ البروفيسور هيو ماركوس، وهو طبيب أعصاب يرأس مجموعة أبحاث السكتة الدماغية في جامعة كامبريدج، في الإجابة عن هذا السؤال.
قام ماركوس وطالب الطب يوتونغ تشن بتحليل صور دماغية لأكثر من 40 ألف شخص، استُمدت بياناتهم من قاعدة بيانات ضخمة للسجلات الصحية والصور الطبية التي جُمعت على مدار أكثر من عشر سنوات في "البنك الحيوي للمملكة المتحدة"، وكان جميع هؤلاء الأشخاص يتمتعون بصحة جيدة وقت إجراء الفحوصات.
ووجد الباحثان أن بإمكانهما تحديد الأشخاص الذين تعاني أنظمة التصريف لديهم من قصور في الأداء، والأهم من ذلك، اكتشفا أن الأفراد الذين عانوا من أكبر قدر من الخلل في أنظمة التصريف كانوا أكثر عرضة بشكل ملحوظ للإصابة بالخرف بعد سنوات، وذلك وفقاً لما ذكره ماركوس.
ويقول ماركوس: "لقد لعب اضطراب هذا التدفق دوراً مهماً في التنبؤ بمن سيصابون بالخرف، وذلك ضمن أعداد كبيرة من عامة السكان".
ومن بين الفضلات التي يتخلص منها هذا النظام بروتينات تُعرف باسم "أميلويد وتاو"، وهي رواسب تتراكم في أدمغة المصابين بمرض الزهايمر، وتؤدي ليلة واحدة بلا نوم إلى ارتفاع ملموس في مستويات بروتين أميلويد في السائل المحيط بالدماغ، وإذا تكرر هذا الأمر عاماً بعد عام، فإن العواقب تكون مقلقة.
وقد كشفت دراسة سويدية أجراها باحثون في معهد كارولينسكا، وشملت تتبع أكثر من 13 ألف عامل بنظام المناوبات (بمن فيهم العاملون في المناوبات الليلية) على مدار فترة تصل إلى 41 عاماً، أن العمل بنظام المناوبات في منتصف العمر يرتبط بزيادة خطر الإصابة بالخرف بنسبة 36 في المئة، حيث يزداد هذا الخطر كلما طالت الفترة التي قضاها الشخص في العمل بنظام المناوبات.
ويحرص فوستر على عدم المبالغة في وصف هذه العلاقة حيث يقول: "لا يمكننا القول إن قلة النوم تسبب الخرف، ولكن إذا كان الشخص عرضة للإصابة به، فإن قلة النوم تُعد عامل خطر محتملاً".
وتُظهر بيانات ماركوس وجود علاقة محتملة، لكنه ينبه إلى أن الأمر لا يزال مجرد فرضية في هذه المرحلة، ومن المرجح وجود عوامل أخرى عديدة تلعب دوراً في ذلك.
ويضيف قائلاً: "النوم مهم، ولكن هناك عوامل مهمة أيضاً مثل ضغط الدم والتدخين والسكري، وما لا يُذكر عادةً هو حجم الخطر المرتبط بمرض الزهايمر والناجم عن هذه العوامل، وهي أمور يمكننا بالفعل اتخاذ إجراءات للتعامل معها".
وهناك أيضاً مؤشرات أولية، وإن كانت متزايدة، حول كيفية مساهمة اضطراب النوم في زيادة خطر الإصابة بأمراض القلب، فقد وجد تحليل شمل 35 دراسة نُشرت العام الماضي أن تقليص ساعات النوم إلى حوالي 4.5 ساعة لمدة 3 ليالٍ أو أكثر يؤدي إلى زيادة كبيرة في نشاط الجهاز المناعي للجسم، ورغم أن هذا النشاط يُعد أمراً إيجابياً عادةً عند تحفيز الجسم لمكافحة العدوى، إلا أنه يسبب أيضاً التهابات في الجسم، وإذا استمرت هذه الالتهابات، فإنها ترتبط بأمراض القلب.
كما يؤدي اضطراب النوم إلى رفع مستويات هرمون التوتر "الكورتيزول" الذي يعزز بدوره مقاومة الإنسولين ويدفع الجسم نحو الإصابة بمرض السكري، وتؤدي المستويات المرتفعة من الكورتيزول أيضاً إلى تفاقم مشاكل النوم، ما يحبس العمال في حلقة مفرغة تزيد المشكلة سوءاً. وإذا أضفنا إلى ذلك تناول الوجبات الخفيفة الغنية بالسكر التي يلجأ إليها بعض العاملين بنظام المناوبات للحفاظ على نشاطهم طوال الليل، فإن النتيجة تكون مزيجاً ضاراً للغاية بالصحة.
وعلاوة على ذلك، صنّفت الوكالة الدولية لبحوث السرطان التابعة لمنظمة الصحة العالمية العمل بنظام المناوبات الليلية على أنه "محتمل أن يكون مسبباً للسرطان لدى البشر"، ووضعته في فئة المخاطر ذاتها التي تندرج تحتها اللحوم الحمراء، مستندةً في ذلك إلى أدلة تشير إلى وجود روابط بين هذا النمط من العمل وسرطانات الثدي والبروستاتا والقولون والمستقيم.
وقد يُعزى ذلك إلى أن اضطراب الساعة البيولوجية للجسم يغير توقيت إفراز هرمون الميلاتونين، الذي يُعتقد أنه يتمتع بخصائص مثبطة للأورام، فضلاً عن انخفاض مستويات فيتامين "د" نتيجة غياب ضوء النهار، والالتهابات المزمنة منخفضة الدرجة التي يسببها النوم المُتقطع.
النوم على مرحلتين
قد يبدو هذا الأمر مقلقاً لأكثر من ثلاثة ملايين شخص في المملكة المتحدة يعملون بنظام المناوبات الليلية، ولا يملكون خياراً يذكر سوى تعطيل أنماط نومهم المعتادة، إلا أن الباحثين بدأوا يحددون بدقة ما قد يساعدهم فعلياً في هذا الصدد.
وتعكف الدكتورة لين فيكتوريا موين، الباحثة في المعهد الوطني للصحة المهنية في أوسلو بالنرويج، على دراسة ما إذا كان أخذ قيلولة مخططة مسبقاً قد يشكل جزءاً من الحل.
وقد توصل فريق البحث إلى نتائج مثيرة للاهتمام خلال دراستهم للعاملين بنظام المناوبات في منطقة الدائرة القطبية الشمالية، حيث لا تكاد الشمس تغيب صيفاً، ويضطر المرء لانتزاع فترات النوم وسط نهار لا ينتهي، ما جعلها بيئة مثالية لدراسة الصراع بين الساعة البيولوجية للإنسان والعوامل الخارجية المحيطة به.
التأثير السلبي للدوام الليلي على صحة القلب
وتابعت موين مجموعة من العاملين بنظام المناوبات في أقصى شمال النرويج، حيث ارتدى هؤلاء العمال خواتم تتبع ذكية (من نوع أورا) لمراقبة أنماط نومهم، وعندما عكفت موين على تحليل البيانات، برز نمط محدد، إذ لم يكن الكثير منهم يغُطون في نوم متصل وطويل نتيجة الإرهاق فور عودتهم إلى منازلهم، بل كانوا يقسمون نومهم إلى فترتين منفصلتين، الأولى من التاسعة صباحاً وحتى الواحدة ظهراً، والثانية في فترة ما بعد الظهر قبل موعد مناوبة العمل التالية.
وتقول موين في هذا الصدد: "إن أجسادهم تجبرهم على الاستيقاظ، ومن ثم تعويض جزء إضافي من النوم في فترة ما بعد الظهر".
وهذا النمط له اسم وهو النوم ثنائي الطور، ويعني وجود فترتين منفصلتين للنوم خلال 24 ساعة بدلاً من فترة نوم واحدة، ويعكس شيئاً لطالما أشار إليه مؤرخو النوم، ففي العصور ما قبل الصناعية، وقبل ظهور الإضاءة الاصطناعية، كان البشر غالباً ينامون على مرحلتين، ويشير الباحثون إلى أن ذلك قد يكون إيقاعاً أكثر طبيعية، حتى وإن كانت الأسباب البيولوجية وراءه لا تزال موضع نقاش.
وأثبت روجر إيكيرش، وهو مؤرخ في معهد فيرجينيا للتكنولوجيا أمضى 40 عاماً في دراسة أرشيفات أوروبا ما قبل العصر الصناعي، أن النوم على مرحلتين كان النمط السائد في العالم الغربي حتى منتصف القرن التاسع عشر.
ووجد أن الأسرة النموذجية كانت تذهب إلى الفراش حوالي الساعة التاسعة مساءً، ثم تستيقظ بشكل طبيعي بعد منتصف الليل لمدة ساعة تقريباً للصلاة، أو القيام بالأعمال المنزلية، أو التحدث ثم تغوص مجدداً في ما كانوا يسمونه نومهم الثاني.
واستمر هذا النمط حتى غيّرت الإضاءة الاصطناعية اقتصاديات الليل، فقد بدأت مصابيح الغاز بإضاءة شوارع لندن عام 1807، وأصبح الناس يسهرون لوقت أطول، وتقلّص الفاصل بين فترتي النوم حتى اختفى في النهاية.
يعتقد إيكيرش أن الإيقاع القديم لم يختفِ تماماً، ويقول: "إن الأرق في منتصف الليل هو اضطراب النوم الأكثر انتشاراً في العديد من البلدان".
ويضيف: "وأنا أرى أن هذا الأمر، في كثير من الحالات، ليس اضطراباً على الإطلاق، بل إنه يمثل صدىً مستمراً، وبقايا من نمط النوم السابق هذا".
وتدعم أبحاث فوستر المخبرية الخاصة هذا الادعاء البيولوجي، ففي تجربة شهيرة، أعطى الطبيب النفسي الأمريكي توماس وير متطوعين 14 ساعة من الظلام، بما يحاكي ليلة شتوية في فترة ما قبل العصر الصناعي، وخلال أسابيع قليلة، ومن دون أي توجيه، انتقلوا بشكل طبيعي إلى النوم على مرحلتين.
ويقول فوستر: "إن الوضع الافتراضي الطبيعي الأساسي ليس على الأرجح فترة نوم واحدة متواصلة".
أما أكثر ما أثّر في موين فلم يكن نمط النوم المكوَّن من فترتين بحد ذاته، بل قلة الأدلة المتوفرة حوله، فقد بحثتْ في البيانات لمعرفة مدى انتشار النوم ثنائي الطور بين عمال النوبات، وما النتائج الصحية المرتبطة به، وما إذا كان النوم المقسّم أفضل أم أسوأ من النوم المتواصل في فترة واحدة رغم الإرهاق، ولم تجد تقريباً أي شيء، وتقول: "لذلك فكرت في أن هذا أمر مثير للاهتمام حقاً، سأذهب وأبحث فيه بشكل دقيق".
وقد تطلّب هذا البحث الدقيق مراجعة 11 ألف ملخص لأوراق علمية، ودراسة الأدلة المتعلقة بالنوم ثنائي الطور من حيث الصحة، والأداء، والتجربة الذاتية للعاملين بنظام الورديات، ومن المتوقع صدور النتائج الكاملة في وقت لاحق من هذا العام.
حتى الآن، وجدت موين أن الأبحاث الموجودة حول هذا الموضوع مجزّأة، فبعض الدراسات تتعامل مع النوم ثنائي الطور على أنه نوم طويل واحد مع قيلولة قصيرة، بينما تحسب دراسات أخرى فقط فترتين متساويتين من النوم، ولا يوجد تعريف متفق عليه لهذا النمط.
القلق المرتبط بالنوم
الهدف النهائي من أبحاث موين هو تطوير إرشادات سريرية واضحة قد تساعد العاملين بنظام الورديات وغيرهم ممن لديهم أنماط نوم مضطربة.
وتقول موين: "إنهم يشعرون بقلق شديد لأنهم لا يستطيعون النوم لفترة طويلة بعد نوبة العمل الليلية، وسيكون من الجميل أن نتمكن من إخبارهم بأن قيلولة جيدة في فترة بعد الظهر ستساعدهم بالفعل".
تُظهر عدة دراسات أن أخذ قيلولة أثناء العمل بنظام الورديات، عندما يكون ذلك ممكناً، يرتبط بانخفاض الشعور بالنعاس وتحسّن اليقظة، وتشير دراسات أُجريت على العاملين في مجال الرعاية الصحية إلى أن قيلولة تتراوح حتى بين 20 و50 دقيقة أثناء النوبة أو بعدها تحسّن التركيز وتقلل من مخاطر القيادة تحت تأثير النعاس أثناء العودة إلى المنزل.
وتسعى أبحاث موين للإجابة، بمنهجية أكثر دقة مما سبق، عن أسئلة محددة وهي: ما مدى شيوع هذه الممارسة؟ وما هي أشكالها؟ وهل توجد أدلة تثبت أن تقسيم فترات النوم قد يحسّن الصحة والأداء ويقلل مستويات التعب أو يعزز السلامة؟
وتوضح موين طبيعة المشكلة من خلال تجربة زوجها الذي يعمل أيضاً بنظام المناوبات بأسلوب هادئ ودقيق، إذ تقول: "إنه يستيقظ دائماً في وقت مبكر جداً، بعد ثلاث أو أربع ساعات فقط من النوم حيث لا يوجد أحد في المنزل، والظلام يلف المكان، ومع ذلك لا يستطيع العودة للنوم؛ فإيقاع يومه يجبر جسده على الاستيقاظ".
جسده لا يستجيب لمحاولات فرض النوم عبر استخدام ستائر معتمة تمنع الضوء. وما تطمح موين إلى تقديمه له، ولملايين الأشخاص الذين يواجهون الظروف ذاتها، هو منحهم "إذناً" يستند إلى أسس علمية للتوقف عن مقاومة إشارات الجسم، والعمل بما يتناغم معها بدلاً من ذلك.
وتقول موين: "بما أننا نعلم أن العديد من عمال الورديات لا يستطيعون حقاً تجنب النوم أثناء النهار، فأعتقد أنه من المهم أن نرى كيف يمكننا مساعدتهم على اتخاذ خيارات أفضل".


















