من الوعظ إلى السلوك.. الأزهر يعزز جهوده لترسيخ القيم المجتمعية وبناء الإنسان
سلطت مشاركة فضيلة الأستاذ الدكتور محمد الجندي، الأمين العام لمجمع البحوث الإسلامية بالأزهر الشريف، في جلسة «الثقافة ومنظومة القيم الاجتماعية»، ضمن فعاليات منتدى «مصر 2026»، الذي عُقد تحت شعار «نظرة لليوم.. رؤية للغد»، أمس الإثنين، الضوء على جهود الأزهر الشريف في ترسيخ القيم الدينية والأخلاقية وتحويلها إلى ممارسات عملية تنعكس على سلوك المواطنين، من خلال تطوير أدوات التوعية الدينية، وتعزيز التواصل مع الشباب، ومواجهة التطرف الفكري، ودعم استقرار الأسرة والتماسك المجتمعي.
وعكست كلمة الأمين العام لمجمع البحوث الإسلامية توجهًا نحو الانتقال من الاكتفاء بتقديم القيم في صورة مواعظ وإرشادات إلى ربطها بالمواقف الحياتية اليومية، بما يعزز قيم الأمانة والرحمة والتسامح واحترام الآخر وتحمل المسؤولية، ويجعل الخطاب الديني أكثر ارتباطًا باحتياجات المجتمع والتحديات التي يواجهها.
وأكد الدكتور محمد الجندي، خلال الجلسة، أن التحدي لا يكمن في الحديث عن أهمية القيم داخل الدروس والخطب، وإنما في القدرة على تحويلها إلى سلوك عملي يلتزم به الفرد في علاقاته الأسرية والاجتماعية والمهنية، مشددًا على ضرورة تطوير البرامج التربوية والتوعوية بما يساعد المواطنين، وخاصة الشباب، على تطبيق المبادئ الأخلاقية في التعامل مع المشكلات والمواقف اليومية.
وأشار إلى أن الأزهر يمتلك منظومة متكاملة من المؤسسات التعليمية والدعوية والبحثية القادرة على الإسهام في بناء الوعي وترسيخ القيم، مؤكدًا أن تطوير هذا الدور لا يتطلب بالضرورة إنشاء مؤسسات جديدة، وإنما يستلزم الاستفادة بصورة أفضل من الإمكانات القائمة، وتطوير أساليب التواصل، وربط التعليم الديني بالواقع المجتمعي، وقياس الأثر الفعلي للبرامج والمبادرات.
وفي إطار مواجهة التحديات الفكرية، استعرض الأمين العام لمجمع البحوث الإسلامية جهود مرصد الأزهر لمكافحة التطرف في متابعة الخطاب المتطرف عبر الفضاء الإلكتروني، وتفنيد الأفكار والفتاوى الشاذة التي تروج لها التنظيمات الإرهابية.
وأوضح أن المرصد يعمل بثلاث عشرة لغة على تفكيك البنية الفكرية للتنظيمات المتطرفة، والرد على أكثر من 25 ألف فتوى شاذة وشبهة أطلقتها تنظيمات، من بينها داعش والقاعدة، بما يسهم في تصحيح المفاهيم المغلوطة وتعزيز الفكر الوسطي.
وشدد على أهمية الانتقال من مجرد الرد على الأفكار المتطرفة بعد انتشارها إلى إعداد برامج وقائية تستهدف الشباب، وتنمي لديهم مهارات التفكير النقدي والتحقق من المعلومات وتحليل الحجج، بدلًا من الاكتفاء بتلقي الإجابات الجاهزة.
كما دعا إلى توظيف الوسائط الرقمية في نشر المعرفة الموثوقة، وإعداد مكتبات إلكترونية مبسطة تناسب الفئات العمرية المختلفة، وتطوير المسابقات والمشروعات البحثية التفاعلية التي تربط المعرفة بقضايا المجتمع، إلى جانب إثراء المناهج التعليمية بقضايا معاصرة، من بينها فقه الواقع وحماية البيئة.
وفي مجال التواصل المباشر مع المواطنين، استعرض الدكتور محمد الجندي تجربة وحدة «تحدث معنا» التابعة لمجمع البحوث الإسلامية، موضحًا أنها استقبلت خلال شهرين أكثر من ثلاثة آلاف مشكلة نفسية واجتماعية، جرى التعامل معها من خلال جلسات متخصصة واتصالات هاتفية ووسائل التواصل الإلكتروني، ومنها تطبيق «واتساب».
وأشار إلى أن الوحدة تتيح التواصل مع المتخصصين النفسيين والعلماء والوعاظ، بما يساعد على تقديم الإرشاد المناسب للمشكلات التي يواجهها المواطنون، بخاصة الشباب، مؤكدًا أهمية التوسع في التجربة وتطوير أدوات الحوار وتوفير مساحات آمنة لطرح التساؤلات والمشكلات.
وتعكس هذه التجربة أحد التطبيقات العملية لتوجه الأزهر نحو ربط العمل الديني باحتياجات المجتمع، من خلال الاستماع للمشكلات والتعامل معها، بدلًا من الاقتصار على تقديم الرسائل التوعوية العامة.
وفي ما يتعلق بالأسرة، أكد الأمين العام لمجمع البحوث الإسلامية أهمية تعزيز قيم التراحم والتكافل والمسؤولية المشتركة، باعتبار استقرار الأسرة أحد المرتكزات الأساسية لتماسك المجتمع.
واستعرض جهود وحدة «لم الشمل»، مشيرًا إلى تدخلها في أكثر من 100 ألف نزاع أسري وقضية طلاق، وتحقيق نسب صلح تراوحت بين 70% و80%، وفق الأرقام التي أعلنها خلال الجلسة.
وأوضح أن تطوير هذا المسار يتطلب إعداد برامج متكاملة للتثقيف الأسري والتربية الوالدية، تبدأ قبل الزواج وتستمر خلال الحياة الزوجية وتربية الأبناء، مع التركيز على إدارة الخلافات والتربية الإيجابية والمسؤولية المشتركة وحماية الأطفال من الآثار المترتبة على النزاعات الأسرية.
كما دعا إلى تعزيز التعاون مع المؤسسات المعنية بالأسرة والمرأة والطفولة والأشخاص ذوي الإعاقة، بما يتيح تقديم برامج تجمع بين التأصيل الشرعي والخبرات التربوية والاجتماعية، إلى جانب مواصلة تدريب الوعاظ والواعظات على لغة الإشارة، والتوسع في الخدمات التوعوية الموجهة إلى الأشخاص ذوي الإعاقة السمعية.
وفي سياق تطوير أدوات التوعية، أكد الدكتور محمد الجندي أن ترسيخ القيم يتطلب التأهيل المستمر للدعاة والوعاظ، وإعداد كوادر قادرة على التواصل مع مختلف الفئات العمرية بلغة مناسبة وأدوات حديثة، سواء من خلال اللقاءات المباشرة أو المنصات الرقمية.
كما شدد على أهمية تطوير وسائل التواصل مع المواطنين، والتوسع في خدمات الفتوى الإلكترونية والمتحركة والقوافل التوعوية واللجان المتنقلة ومعارض الكتاب الأزهري، بهدف تقديم إجابات علمية عن التساؤلات المجتمعية ومعالجة المشكلات الفكرية والسلوكية في مواقعها.
وفي ما يتعلق بقيم المواطنة والانتماء والتعايش، استعرض الدكتور الجندي دور الأزهر في نشر ثقافة الحوار واحترام التنوع والكرامة الإنسانية، من خلال برامجه التعليمية والدعوية وقطاع البعوث الإسلامية والطلاب الوافدين.
كما أكد أهمية تعزيز التعاون من خلال «بيت العائلة المصرية»، الذي يجمع الأزهر الشريف والكنيسة المصرية، وتوسيع دور لجانه في رصد الأزمات المجتمعية واقتراح آليات التعامل معها، بما يدعم وحدة الصف الوطني ويرسخ ثقافة التعايش وقبول الاختلاف.
وتشير المحاور التي تناولتها كلمة الأمين العام لمجمع البحوث الإسلامية خلال منتدى «مصر 2026» إلى أن جهود الأزهر في ترسيخ منظومة القيم الاجتماعية تقوم على الجمع بين التوعية الدينية والمعالجة العملية للمشكلات المجتمعية، من خلال مواجهة التطرف والتضليل الإلكتروني، وتقديم الدعم النفسي والاجتماعي، وتعزيز الاستقرار الأسري، وتأهيل الوعاظ وتطوير أدوات التواصل مع المواطنين.
وفي هذا الإطار، تبرز أهمية استمرار تطوير هذه الجهود وتعزيز التنسيق بين المؤسسات المعنية، بما يضمن تحويل قيم الأمانة والعدل والتسامح والرحمة والمواطنة والمسؤولية إلى ممارسات يومية، تسهم في بناء إنسان واعٍ، وحماية تماسك الأسرة والمجتمع، وتعزيز القدرة على مواجهة التحديات الفكرية والاجتماعية.






