112 مليار دولار خسائر الكوارث الطبيعية خلال النصف الأول من 2026
أصدر مركز المعلومات ودعم اتخاذ القرار بمجلس الوزراء تحليلًا جديدًا حول مخاطر الاحترار العالمي والفرص الاقتصادية المرتبطة بالتكيف مع ارتفاع درجات الحرارة، أوضح فيه أن الارتفاع القياسي في درجات الحرارة لم يعد ظاهرة استثنائية أو مؤقتة، بل يتجه تدريجيًا نحو التحول إلى «وضع طبيعي جديد»، بما يجعل الحرارة متغيرًا اقتصاديًا متزايد الأهمية يؤثر في مواقع الأنشطة والاستثمارات، وتكاليف الإنتاج، وكفاءة البنية الأساسية، وسلاسل الإمداد، وقدرة الدول والشركات على المنافسة.
وأشار المركز إلى أن تصاعد مخاطر الحرارة يدفع الشركات والمستثمرين إلى إعادة تقييم مواقع استثماراتهم وسلاسل إمدادهم، في ظل ما يرتبط بها من أضرار محتملة للبنية الأساسية، وتعطل الإنتاج، وتراجع إنتاجية العمال، وارتفاع تكاليف الطاقة والمياه والتبريد. وفي المقابل، ينشأ ما يمكن وصفه بـ «اقتصاد التكيف»، الذي يفتح أسواقًا وفرصًا استثمارية متنامية في مجالات التبريد المستدام، والمباني المقاومة للحرارة، وإدارة المياه، والزراعة الذكية مناخيًا، والتكنولوجيا الصحية، والبنية الأساسية المقاومة للمناخ، والتقنيات المناخية والتمويل المستدام، بما يمنح الاقتصادات والشركات الأكثر استعدادًا وقدرة على التكيف ميزة تنافسية متزايدة.
وأوضح التحليل أن موجات الحر الشديد وتزايد تواترها تحولت من ظاهرة مناخية مؤقتة إلى مصدر متنامٍ للمخاطر الاقتصادية والصحية والبيئية، وذلك على النحو التالي:
الأمن الغذائي تحت ضغوط متزايدة: تشير التقديرات إلى أن ارتفاع درجات الحرارة بنحو درجة مئوية واحدة فوق المستويات الملائمة يمكن أن يخفض إنتاجية بعض المحاصيل الرئيسية، مثل الذرة والقمح، بنسب تتراوح تقريبًا بين 4% و10%، إلى جانب زيادة احتياجاتها من المياه.
كما يؤدي الإجهاد الحراري إلى تراجع إنتاجية الماشية والدواجن من خلال التأثير في معدلات النمو وإنتاج اللحوم والألبان والبيض، في حين تهدد موجات الحر البحرية النظم البيئية والثروة السمكية؛ إذ شهدت نحو 91% من مساحة محيطات العالم موجة حر بحرية واحدة على الأقل خلال عام 2024. وتنعكس هذه التأثيرات مجتمعة على الأمن الغذائي من خلال تراجع إنتاجية المحاصيل والثروة الحيوانية والسمكية، وانخفاض قدرة العمال الزراعيين على العمل، وزيادة الضغوط على الموارد المائية، فضلًا عن اضطراب سلاسل إمداد الغذاء.
ارتفاع مخاطر تعطل سلاسل الإمداد والبنية الأساسية: أوضح التحليل أن تغير درجات حرارة مياه البحر والتيارات والرياح قد يؤثر في كفاءة الملاحة واستهلاك الوقود. كما أشار تقرير الأمم المتحدة للتجارة والتنمية حول النقل البحري لعام 2024 إلى أن تغير المناخ والظواهر الجوية المتطرفة يفاقمان المخاطر التي تواجه المواني وعمليات الشحن.
ومن أبرز الأمثلة على ذلك ما شهدته قناة بنما منذ أواخر نوفمبر 2023 من خفض لعمليات عبور السفن اليومية نتيجة الجفاف الشديد، فضلًا عن تزايد الضغوط على البنية الأساسية والأصول الصناعية التي قد تواجه درجات حرارة تتجاوز الحدود التي صُممت للعمل في إطارها.
الحرارة تتحول إلى عبء صحي واقتصادي متزايد: أشار تقرير صادر عن مجلة «لانسيت» حول الصحة وتغير المناخ لعام 2025، والذي أُعد بالتعاون مع منظمة الصحة العالمية، إلى ارتفاع الوفيات المرتبطة بالموجات الحارة بنسبة 23% منذ تسعينيات القرن الماضي، ليصل إجمالي الوفيات الناجمة عن الحرارة إلى نحو 546 ألف حالة وفاة سنويًا في المتوسط.
كما قُدرت الخسائر الاقتصادية السنوية المرتبطة بالوفيات الناجمة عن التعرض للحرارة بين الأشخاص الذين تزيد أعمارهم على 65 عامًا بنحو 261 مليار دولار في المتوسط خلال الفترة 2020–2024.
تصاعد الضغوط البيئية ومخاطر حرائق الغابات: تؤدي درجات الحرارة المرتفعة وموجات الجفاف المصاحبة لها إلى زيادة جفاف الغطاء النباتي، ورفع مخاطر حرائق الغابات، وتسريع تدهور التربة والموارد المائية، بما يهدد قدرة النظم البيئية، ولا سيما الغابات، على تخزين الكربون وتوفير الخدمات البيئية الضرورية للزراعة والصحة والاقتصاد.
وخلال الفترة 2001–2025، فقد العالم نحو 540 مليون هكتار من الغطاء الشجري، بما يعادل نحو 14% من مساحة الغطاء الشجري المسجلة عام 2000؛ ومن هذه الخسائر ارتبط نحو 160 مليون هكتار بحرائق الغطاء الشجري، مقابل نحو 380 مليون هكتار نتيجة عوامل أخرى.
ارتفاع درجات الحرارة يضغط على قطاع الطاقة: يؤدي ارتفاع درجات الحرارة إلى زيادة الطلب على الكهرباء، خصوصًا لأغراض التبريد، في الوقت الذي قد تتراجع فيه كفاءة محطات التوليد وشبكات النقل بسبب الحرارة المرتفعة، بما يزيد مخاطر الأحمال الزائدة والانقطاعات خلال موجات الحر.
وقد أدت موجة الحر والانخفاض الحاد في منسوب نهر الدانوب بأوروبا خلال صيف 2026 إلى اضطرابات في تشغيل عدد من محطات الطاقة المعتمدة على مياه النهر في عمليات التبريد.
الخسائر الاقتصادية العالمية تتصاعد: بلغت
الخسائر الاقتصادية العالمية الناجمة عن الظواهر الجوية المتطرفة نحو 304 مليارات دولار خلال عام 2024، بما يعادل نحو 0.27% من الناتج المحلي الإجمالي العالمي، وبزيادة قدرها 58.9% مقارنة بالمتوسط السنوي خلال الفترة 2010–2014.
ولم تكن نحو 55.7% من هذه الخسائر مغطاة بالتأمين، بما يعني تحمل الأسر والشركات والحكومات جانبًا كبيرًا من التكلفة. وخلال النصف الأول من عام 2026، بلغت خسائر الكوارث الطبيعية نحو 112 مليار دولار، لم يُغطَّ تأمينيًا منها سوى نحو 44 مليار دولار.
وأشار تقرير «لانسيت كاونت داون» لعام 2025 إلى بُعد اقتصادي آخر لارتفاع الحرارة يتعلق بإنتاجية العمل؛ حيث فقد العالم خلال عام 2024 نحو 640 مليار ساعة عمل محتملة بسبب الحرارة، بزيادة قدرها 98.1% مقارنة بمتوسط الفترة 1990–1999، وهو ما يجعل الاقتصادات الأكثر اعتمادًا على العمل الخارجي أكثر تعرضًا لخسائر الإنتاج والدخل.
كما أوضحت دراسة «حرارة شديدة على النمو» الصادرة عن Allianz Research في مايو 2026 أن التأثير الاقتصادي لارتفاع الحرارة يتزايد بصورة حادة عند تجاوز درجات الحرارة مستوى 30 درجة مئوية؛ إذ تؤدي كل زيادة إضافية بمقدار درجة مئوية إلى خفض إنتاجية العمل بنحو 3% من متوسط الإنتاج العالمي في الساعة، بالتزامن مع زيادة الطلب على الطاقة بنحو 1.2%، بما يرفع تكاليف التشغيل والمدخلات في الوقت الذي تتراجع فيه إنتاجية العمال، ويضغط على هوامش ربحية الشركات ودخول الأسر واستهلاكها.






