”معلومات الوزراء” يسلط الضوء على ”مستقبل الصناعات التحويلية والتكنولوجية”
أصدر مركز المعلومات ودعم اتخاذ القرار بمجلس الوزراء، العدد الثالث عشر من مجلته الدورية "آفاق صناعية" تحت عنوان "مستقبل الصناعات"، والذي يسلط الضوء على مستقبل الصناعات التحويلية والتكنولوجية في ضوء التحولات العالمية نحو الرقمنة والاستدامة؛ حيث يجمع هذا العدد بين مقالات متخصصة تناقش قضايا محورية تشكل ملامح الثورة الصناعية القادمة، بدءًا من صناعة الأجهزة الطبية الذكية، مرورًا بأتمتة خطوط الإنتاج وسلاسل الإمداد، ووصولاً إلى توطين صناعة أشباه الموصلات وإدارة النفايات بالابتكار المفتوح، كما يتناول تجارب عدد من الدول الرائدة في مجال التصنيع الذكي مثل اليابان وكوريا الجنوبية والولايات المتحدة الأمريكية والصين، مستعرضًا المبادرات الوطنية مثل "صُنع في الصين 2025" و "مجتمع 5.0" اليابانية التي نجحت في الدمج بين التكنولوجيا والإنتاج الصناعي مما أسهم في رفع الكفاءة وتعزيز تنافسية الاقتصاد العالمي.
كما اعتمد العدد على أحدث الدراسات والتقارير الدولية الصادرة عن مؤسسات بحثية مرموقة تناولت تطورات الأسواق العالمية للأجهزة الطبية الذكية والأتمتة الصناعية والصحة الرقمية، مقدمًا تحليلات كمية وتوقعات مستقبلية تدعم صانعي القرار والمستثمرين، ورصد العدد توجهات الصحف والمجلات الأجنبية التي أكدت أهمية التكامل بين الابتكار الصناعي والاستدامة البيئية، مع إبراز التنافس التكنولوجي العالمي في مجالات الرقائق الإلكترونية والذكاء الاصطناعي، واتجاه السياسات الاقتصادية نحو تشجيع التحول الصناعي الأخضر.
ومن مقالات العدد مقالًا للدكتورة آية سليمان بعنوان "مستقبل صناعة الأجهزة الطبية"، حيث أوضحت أنه في ظل التطور التكنولوجي يشهد النظام الصحي العالمي تغيرات جذرية لم يسبق لها مثيل فلم تعد الرعاية الصحية مقتصرة على المستشفيات والعيادات، بل امتدت لتصل إلى أيدي الأفراد ومنازلهم، مدفوعة بالثورة التي أحدثتها الأجهزة الطبية الذكية التي كانت قبل سنوات محدودة مجرد رؤية مستقبلية واليوم أصبحت محركًا أساسيًا للاقتصاد الصحي العالمي وتشكل سوقًا تتزايد قيمتها بوتيرة مذهلة.
أوضح المقال أن الدولة المصرية شهدت في السنوات الأخيرة تطورًا متسارعًا في مجال التحول الرقمي للرعاية الصحية، مدعومًا باستراتيجية الدولة للتحول الرقمي و"رؤية مصر 2030"، وأطلقت الحكومة المصرية عدة برامج رئيسة كمنظومة التأمين الصحي الشامل التي توفر بنية تحتية مناسبة لتبني السجلات الطبية الإلكترونية، وأنظمة تتبع المرضى، وحلول الأجهزة الطبية الذكية، واتصالًا، فقد أطلقت وزارة الصحة والسكان المصرية مبادرات لفحص الأمراض المزمنة مثل السكري وضغط الدم باستخدام أجهزة تشخيص ذكية محمولة، مما أتاح الوصول إلى ملايين المواطنين في المحافظات، إلى جانب ذلك، دخلت مصر في شراكات مع شركات تكنولوجيا كبرى لتوفير أنظمة المراقبة عن بُعد لمرضى القلب والسكري مما يُمكن الأطباء من متابعة المرضى من منازلهم، ويُقلل الضغط على المستشفيات، كما أن هناك اهتمامًا متزايدًا بتوطين صناعة الأجهزة الطبية الذكية داخل مصر سواء عبر المناطق التكنولوجية أو من خلال حوافز استثمارية للشركات الناشئة.
من الناحية الاستثمارية تستهدف مصر أن تصبح مركزًا إقليميًا للصحة الرقمية في الشرق الأوسط وإفريقيا، وتشير بيانات وزارة الاتصالات وتكنولوجيا المعلومات إلى أن حجم الاستثمارات في التحول الرقمي الصحي يشهد نموًا متواصلاً مدعومًا بالشراكات بين القطاعين العام والخاص، وعلى المستوى الدولي أصبحت مصر منصة جاذبة للشركات العالمية في مجال التكنولوجيا الطبية، مستفيدة من حجم سوقها الكبير، وتزايد الطلب على الأجهزة الذكية القابلة للارتداء وحلول التشخيص المبكر، كما ساهمت المؤتمرات الطبية المتخصصة مثل (Africa Health Excon)، في تعزيز موقع مصر كمحور استراتيجي لعرض الابتكارات وربط الشركات الناشئة بالمستثمرين وصناديق التمويل، وتشير كل هذه المؤشرات إلى أن مصر تمتلك مقومات قوية لبناء منظومة صحية ذكية تجمع بين الابتكار والتقنيات الحديثة، وتفتح فرصًا استثمارية واعدة في مجال الأجهزة الطبية الذكية والصحة الرقمية.
وأشار المقال في ختامه إلى أن البيانات والتجارب العالمية أثبتت أن الأجهزة الطبية الذكية لم تعد رفاهية تكنولوجية بل ضرورة استراتيجية لإعادة تشكيل أنظمة الرعاية الصحية؛ فهي تُخفف الضغط على المستشفيات، وتخفض التكاليف، وتحسن جودة حياة المرضى عبر المتابعة المستمرة والتشخيص المبكر، كما أنها تفتح آفاقًا جديدة للاستثمار والابتكار، سواء من خلال الشركات الناشئة أو من خلال صفقات الاندماج العملاقة بين قطاعات الصحة والتكنولوجيا، ويرسم المستقبل القريب ملامح منظومة صحية أكثر إنسانية، وذكاء، وكفاءة حيث تصبح التكنولوجيا شريكًا أساسيًا في استراتيجيات الوقاية والعلاج، ويصبح المريض أكثر قدرة على التحكم في صحته وحياته.
ومن مقالات العدد كذلك، مقالًا للمهندس مصطفى متولي مدير مشروعات واستشاري تحول رقمي ومدرب معتمد من "مايكروسوفت" والذي جاء تحت بعنوان "مستقبل الآلة وتأثيره في اقتصادات الدول.. "أتمتة خطوط الإنتاج وسلاسل الإمداد"، والذي أوضح أن الأتمتة في عمليات التصنيع وسلاسل الإمداد لها فوائدها الكبرى من حيث زيادة معدلات الإنتاج ورفع جودة المنتجات وتقليل هدر المواد الخام، وما إلى ذلك من فوائد تعزز الربحية الرأسمالية، وتسهم في تعزيز سهولة تدفق السلع والخامات بين سلاسل الإمداد والتوريد من المصانع إلى المستهلكين، ولكن من ناحية أخرى فإن الأتمتة الكاملة في القطاع الرقمي وقطاع التصنيع قد تفضي إلى زيادة في معدلات البطالة أو زيادة عدد المتخصصين المتاحين في عمليات الإنتاج أو التصنيع في وظائف معينة، نتيجة فقدان باقي الوظائف لصالح الروبوتات ونظم الذكاء الاصطناعي، وما يتبعه من تأثيرات مجتمعية ونفسية على العاملين والمستثمرين.
ورغم أن تلك المخاطر تمثل تهديدًا في الدول الصناعية الكبرى التي تسعى إلى زيادة معدلات الإنتاج والاعتماد على الأتمتة الكاملة في التصنيع وسلاسل الإمداد استنادًا إلى إرثهم وتفوقهم الصناعي التاريخي، فقد تكون معدلات الأتمتة في التصنيع والنظم الرقمية متدنية في الدول النامية والاقتصادات الناشئة، مما يشكل فرصة جيدة لزيادة معدلات التوظيف داخل تلك الدول، والاقتصادات الناشئة، ويرجع ذلك إلى صعوبة تطبيق نظم التصنيع كاملة الأتمتة في الدول النامية بسبب تعقد تلك التقنيات وارتفاع تكلفة تبنيها، وعدم ملاءمة الأسواق المحلية لاستهلاك وتداول السلع والخامات بطريقة مؤتمتة بشكل كامل، نظرًا لانعكاس الأتمتة على الأسعار النهائية للسلع والخدمات.
وتضمن العدد مقالًا للدكتور وليد جاب الله عضو الجمعية المصرية للاقتصاد والإحصاء والتشريع، بعنوان "كيف يمكن لمصر والدول العربية توطين صناعة أشباه المواصلات في المستقبل القريب؟"، والذي أشار فيه إلى أن القوى الكبرى تتنافس على قيادة صناعة أشباه الموصلات فالولايات المتحدة الأمريكية تمتلك التكنولوجيا المتقدمة، بينما تهيمن الصين واليابان على المعادن والمواد الأساسية، وتسعى واشنطن لإعادة الصناعة إلى داخلها في حين تحاول دول أخرى منها عربية بناء قدراتها عبر الشراكات، أما مصر فتمتلك مقومات واعدة لكنها تحتاج لتأهيل القطاع الخاص وتفعيل دور الصندوق السيادي لجذب الاستثمارات وتحويل الاتفاقات إلى مصانع فعلية تعزز مكانتها في هذه الصناعة العالمية الحيوية.
ويمكن رصد أبرز مقومات الدولة المصرية التي تؤهلها لتكون بيئة جاذبة للاستثمارات في قطاع صناعات أشباه الموصلات والتي تتمثل في توفر قاعدة واسعة من الكفاءات المتخصصة التي تعمل في عدد من الشركات الناشطة في هذا المجال، إلى جانب ما يتم إضافته سنويًا من خريجين في ظل التوسع في إنشاء الكليات التي تقدم برامج التكنولوجيا، فضلًا عن وجود بنية تحتية رقمية متطورة وتكاليف تشغيل منخفضة تنافسية، ومبادرات تدريب وتحفيز متنوعة، إلى جانب امتلاك مصر موارد طبيعية مهمة أهمها الرمال البيضاء، والكوارتز وغيرها من المعادن اللازمة لتلك الصناعات وهو ما يؤهل مصر لأن تكون مركزًا إقليميًا لصناعة أشباه الموصلات.
وقد أعلن مجلس الوزراء المصري في يونيو 2024 عن إعداد تقرير يتضمن مسار توطين صناعة الرقائق الإلكترونية، مع تقرير الاستعانة باستشاري عالمي لوضع تصور لتسريع توطين تلك الصناعة في مصر، والتوجه نحو عقد اجتماعات ولقاءات مع كبرى الشركات العاملة في هذا المجال ودعوتها للعمل في مصر.
وكانت مصر ممثلة في هيئة تنمية صناعة تكنولوجيا المعلومات "إيتيدا" قد وقعت في نوفمبر 2023 مذكرة تفاهم مع شركة "سينوبسيس" (Synopsys) الأمريكية، وشركة "إس آي فيجين" (Si-Vision) لتوسيع أنشطتهما في مصر في مجالات أشباه الموصلات للدوائر الإلكترونية والأنظمة المدمجة، وتصميم الإلكترونيات، كما قام رئيس الوزراء المصري في ديسمبر 2023 باجتماع مع شركتين صينيتين وهما "الصين الوطنية لمواد البناء" (CNBM) و"هوني كابيتال" (HONY Capital) لبحث فرص الاستثمار في مصر في مجالات توطين مكونات محطات الطاقة الشمسية وأشباه الموصلات، ويمكن القول بإن توطين صناعة أشباه الموصلات في مصر لا يزال يواجه تحديات، تَحِد من تحقيق الطموحات المصرية لتوطين تلك الصناعة.
وأشار المقال في ختامه إلى أن الشركات المصرية يُفترض أن تضطلع بدور محوري في تحويل مذكرات التفاهم والاتفاقيات الحكومية إلى مشروعات صناعية قائمة فعليًا، مع ضرورة تنويع الشراكات الدولية لتشمل أطرافًا من الصين واليابان وكوريا الجنوبية وأوروبا، خاصًة في ظل التوجه الأمريكي لإعادة سلاسل الإنتاج إلى الداخل، كما ينبغي التركيز على استقطاب الصناعات المرتبطة بالمواد الطبيعية التي تمتلكها مصر مثل الرمال البيضاء والكوارتز، وتطوير صناعات أشباه الموصلات الموجهة لدعم التصنيع المحلي في مجالات السيارات والإلكترونيات وأنظمة الطاقة المتجددة والأجهزة الكهربائية.
في المجمل، فقد نجحت مصر بالفعل في تهيئة البنية الرقمية اللازمة لهذه الصناعة، وتوفير حوافز وضمانات تشجيعية، إلى جانب إعداد الاستراتيجيات والمبادرات الوطنية ذات الصلة، غير أن المرحلة المقبلة تتطلب تحديد الكيانات الاستثمارية المحلية وربطها بشركاء دوليين بما يتيح نقل وتوطين هذه الصناعة، وتعزيز موقع مصر في خريطة المنافسة العالمية على صناعة أشباه الموصلات.
وتضمن العدد مقالًا للدكتور أحمد داوود محاضر بكلية الهندسة بالجامعة البريطانية في مصر بعنوان "آفاق صناعية إدارة مخلفات البناء والهدم في مصر في ضوء التجارب الدولية"، والذي أوضح أن مصر شهدت في السنوات الأخيرة اهتمامًا متزايدًا بإدارة المخلفات ضمن خطط التنمية المستدامة وفي قطاع مخلفات البناء والهدم تحديدًا، وقد أُجريت دراسة جدوى تفصيلية ضمن مشروع يهدف إلى إنشاء منشأة لتدوير ومعالجة مخلفات البناء والهدم لخدمة إقليم القاهرة الكبرى (القاهرة والجيزة والقليوبية).
وكشفت الدراسة عن الوضع الحالي لإدارة مخلفات البناء والهدم في مصر، وتشير البيانات الرسمية في محافظة القليوبية إلى وجود كميات كبيرة من مخلفات البناء في المحافظة، بينما تعد محافظة القاهرة الأكبر إنتاجًا لمخلفات البناء إذ تشير البيانات إلى توليد ما يتراوح بين 4000-5000 متر مكعب من مخلفات الهدم والبناء يوميًا، ومن الجدير بالذكر، أن قانون إدارة المخلفات الجديد في مصر - القانون رقم 202 لسنة 2020 - قد وضع إطارًا لتنظيم هذا القطاع حيث أسس جهازًا لتنظيم إدارة المخلفات ومنح التراخيص لمزاولي نقل ومعالجة المخلفات، وألزم الجهات والأفراد عند تنفيذ أعمال البناء أو الهدم بالتعاقد مع شركات معتمدة لإدارة المخلفات المتولدة، وربط القانون إصدار تراخيص البناء والهدم بتقديم ما يثبت التعاقد مع ناقل مخلفات مرخص لضمان عدم التصرف العشوائي في الأنقاض الناتجة عن مخلفات الهدم والبناء في مصر، كما فرضت التعديلات الأخيرة على قانون النظافة العامة رقم 38 لسنة 1967، بموجب القانون رقم 202 لسنة 2020 رسومًا منخفضة على التخلص من مخلفات البناء وإلقاء المخلفات في غير الأماكن المخصصة حيث نص القانون على غرامة لا تقل عن 500 جنيه ولا تتجاوز 2000.
وقدم المقال مجموعة من التوصيات العملية لدفع صناعة إدارة مخلفات البناء والهدم في مصر نحو التنمية والاستدامة وذلك بالاستفادة من التجارب الدولية في هذا الشأن وذلك على النحو التالي:
(1- تعزيز البنية التحتية المادية والتنظيمية، 2- هيكلة الرسوم والحوافز الاقتصادية، 3- تعزيز الإلزام والرقابة على المشروعات، 4- تنمية الأسواق الثانوية للمواد المعاد تدويرها، 5- بناء القدرات والتوعية، 6- إطلاق مشروعات تجريبية نموذجية كخطوة أولى لإثبات جدوى التدوير وكسب ثقة السوق المحلية)، ويعد تنفيذ التوصيات السابقة كفيل بمعالجة جوانب القصور الحالية تباعًا فهو يشمل إصلاحات تشريعية واقتصادية وفنية وثقافية متكاملة، مضيفاً أن تحقيق نتائج ملموسة سيتطلب جهودًا منسقة بين عدة جهات حكومية (البيئة، والتنمية المحلية، والإسكان) وشراكة وثيقة مع القطاع الخاص.


















