الأمن الغذائي والمائي في مصر.. من تحديات الوجود إلى آفاق المستقبل المضمون
مع انطلاق فعاليات "منتدى مصر 2026"، أمس الإثنين بالعاصمة الجديدة تحت عنوان "نظرة اليوم.. رؤية الغد" بحضور وتحت رعاية السيد الرئيس عبدالفتاح السيسي، والذي افتتحه الدكتور مصطفى مدبولي رئيس مجلس الوزراء، تستعرض وزارتي الزراعة واستصلاح الأراضي، والموارد المائية والري في جلسة غدا الأربعاء بعنوان "الأمن الغذائي والمائي.. تحديات اليوم وضمانات المستقبل"، جهود التنمية في قطاعي الزراعة، والموارد المائية والري، في ظل توجه الدولة نحو تحقيق الأمن الغذائي للمواطنين.
وقد حققت الدولة المصرية إنجازات ضخمة في القطاع الزراعي والأنشطة المرتبطة به على مدار السنوات الماضية، حيث شهد نقلة نوعية شاملة، بوضع ملف الأمن الغذائي وتطوير الريف في صدارة أولويات الدولة المصرية، بما ساهم في تحويل التحديات إلى فرص واعدة.
وتبنت الدولة مسارا إصلاحيا وتنفيذيا متكاملا يوازن بين التوسع الأفقي العملاق لاستصلاح الأراضي، والتوسع الرأسي المستند إلى البحث العلمي والتحول الرقمي، بهدف تعظيم القيمة المضافة، وتحقيق الاكتفاء الذاتي، وتقليص الفجوة الاستيرادية لتوفير الغذاء الآمن للمواطنين بأسعار مناسبة.
شرايين حياة جديدة في قلب الصحراء.. مشروعات التوسع الأفقي ومعالجة المياه ترسم خريطة زراعية عملاقة لمصر
وشهد القطاع الزراعي تحولاً جذرياً مدفوعاً برؤية الدولة نحو التوسع الأفقي باستصلاح الأراضي والإدارة الرشيدة للموارد المائية؛ حيث نفذت الدولة حزمة من أكبر مشروعات استصلاح الأراضي في تاريخها زادت من الرقعة الزراعية وضاعفت الإنتاج، حيث شملت مشروع الدلتا الجديدة بمساحة 2.2 مليون فدان، والذي ينفذه جهاز مستقبل مصر للتنمية المستدامة، فضلا عن مشروع توشكى الخير بمساحة 1.1 مليون فدان، إضافة إلى مشروع تنمية شمال ووسط سيناء بنحو 456 ألف فدان، بالإضافة إلى مشروع تنمية الريف المصري الجديد بمساحة 1.5 مليون فدان، ومشروعات جنوب الصعيد والوادي الجديد بمساحة 650 ألف فدان.
كما تم تدشين مشروعات المعالجة الثلاثية لمياه الصرف الزراعي، لتوفير الموارد المائية اللازمة لهذه التوسعات، حيث شملت: محطة الحمام بطاقة 7.5 مليون متر مكعب يوميًا، ومحطة بحر البقر بطاقة 5.6 مليون متر مكعب يوميًا، ومحطة المحسمة بطاقة 1.3 مليون متر مكعب يوميًا، إلى جانب التوسع في تحلية مياه البحر وتطبيق نظم الري الحديث لترشيد الاستهلاك وتعظيم كفاءة الاستخدام.
وأقامت الدولة أيضا 18 تجمعا تنمويا زراعيا في سيناء تشمل: 11 تجمعا في الشمال، و7 تجمعات في الجنوب، استفادت منها أكثر من 2100 أسرة، بواقع 5 أفدنة ومنزل لكل مستفيد، فضلا عن إنشاء 3 مراكز للخدمات الزراعية المتكاملة لإقامة مجتمعات حديثة تحقق أعلى إنتاجية من وحدتي الأرض والمياه، في ظل اهتمام الدولة الخاص بالمناطق الحدودية والبدوية من خلال حفر الآبار، وإنشاء محطات طاقة شمسية، ومشروعات مكافحة التصحر، ودعم المزارعين بتوفير التقاوي المدعمة للمحاصيل الاستراتيجية كالقمح والشعير والفول البلدي وتوزيع شتلات الزيتون والتين والنخيل لتعزيز الاستقرار الاقتصادي والاجتماعي.
وشاركت الوزارة بفاعلية في مبادرة "حياة كريمة"، حيث تم إنشاء 332 مركز خدمات زراعية مجمعة في 20 محافظة، تضم 996 منشأة متنوعة بين وحدات بيطرية ومراكز إرشادية وجمعيات زراعية ومراكز تجمع ألبان، بتكلفة تجاوزت 2 مليار جنيه لتطوير البنية الأساسية للقطاع وتحسين الخدمات المقدمة للفلاحين.
بأرقام قياسية وأصناف متميزة.. التوسع الرأسي والزراعة التعاقدية يقودان طفرة تاريخية في الإنتاج*
وعلى صعيد التوسع الرأسي، ركزت الدولة على زيادة الإنتاجية وتفعيل منظومة الزراعة التعاقدية كأداة لحماية المزارعين من تقلبات الأسواق عبر تحديد سعر ضمان قبل الزراعة لربط المزارعين مباشرة بالمصانع والشركات دون وسطاء، مع توفير التقاوي المعتمدة والدعم الفني من خلال القوافل الإرشادية والبحثية، وانعكست هذه السياسيات بشكل مباشر على تحقيق طفرة غير مسبوقة في إنتاج القمح.
فيما شهد القطاع الزراعي طفرة في توطين صناعة التقاوي بإنشاء كيانات متخصصة؛ أبرزها شركة "أركو سيد" بالشراكة بين مركز البحوث الزراعية وجهاز مستقبل مصر والقطاع الخاص لإنتاج وتسويق الهجن المحلية، وإنشاء "شركة التحالف العربي" لإنتاج 70% من احتياجات تقاوي البطاطس محليًا، وتطوير منظومة الصوامع الحديثة التي قضت على الفاقد ورفعت كفاءة التخزين.
عصر الرقمنة الزراعية.. "كارت الفلاح" والذكاء الاصطناعي يحكمان الرقابة ومنع التلاعب*
وفي سياق الحوكمة والتحول الرقمي، تبنت وزارة الزراعة مسارا متطورا لإحكام الرقابة على صرف مستلزمات الإنتاج، خاصة الأسمدة المدعمة، بربطها بالمساحات المزروعة ونوعية المحاصيل للقضاء على التلاعب؛ حيث يتم استلام الكميات سنويا من شركات الإنتاج وتوزيعها وفق منظومة حوكمة دقيقة على قطاعات التوزيع، بالإضافة إلى نجاح الوزارة في إطلاق منظومة الحيازة الإلكترونية "كارت الفلاح الذكي" كبديل للحيازة الورقية، لتغطي جميع محافظات الجمهورية والمناطق الحدودية، بتسجيل نحو 5.2 مليون حيازة زراعية إلكترونيا تغطي مساحة تتجاوز 7 ملايين فدان، مما وفر قاعدة بيانات دقيقة. وتم دمج الكارت مع منظومة المدفوعات "ميزة" بالتعاون مع البنك الزراعي المصري تمهيداً للشمول المالي.
باستثمارات تضاعفت 7 مرات.. منظومة الثروة الحيوانية والداجنة تقفز بإنتاج اللحوم والبيض إلى معدلات تاريخية
وفي ملف تنمية الثروة الحيوانية والداجنة، تم إطلاق المشروع القومي لإحياء البتلو عام 2017 في مبادرة استراتيجية لتعزيز الأمن الغذائي وزيادة إنتاج اللحوم الحمراء؛ حيث يستهدف المشروع الحفاظ على المواليد الذكور (أبقار وجاموس) وتربيتها حتى وزن اقتصادي لا يقل عن 400 كيلوجرام بدلاً عن ذبحها صغيرة، مع الحفاظ على الإناث لتنمية القطيع القومي، ونجح المشروع في رفع إنتاجية العجل الواحد من 30 كجم إلى ما يقرب من 250 كيلوجراماً بفضل برامج التسمين والرعاية البيطرية.
وقد بلغ إجمالي التمويلات الميسرة الموجهة للمشروع حتى الآن أكثر من 11 مليارا و535 مليون جنيه، استفاد منها ما يقرب من 46 ألف مربي ومزارع، لتمويل ما يزيد على 544 ألف رأس ماشية، مما خلق فرص عمل بالقرى ومكّن المرأة المعيلة اقتصادياً، خيق تجاوزت نسبة الاكتفاء الذاتي من اللحوم الحمراء في مصر 60%، وبلغ الإنتاج المحلي 600 ألف طن بزيادة 14% عن العام الماضي، وتقليص فجوة الاستيراد إلى 40% فقط.
كما شهدت صناعة الدواجن أيضا طفرة استثمارية تجاوزت 7 أضعاف لتصل لنحو 200 مليار جنيه، مرتفعة بالمنشآت الداجنة إلى 60 ألف منشأة، كما تضاع إنتاج الدواجن ليصل إلى نحو 2.6 مليون طن سنويا، مقارنة بنحو 1.3 مليون طن عام 2014، محققا اكتفاء ذاتيا بنسبة تقترب من 98% لأول مرة تاريخياً، وبمعدل يومي 4.4 مليون دجاجة.
فيما شهد إنتاج بيض المائدة قفز من 9.3 مليار بيضة عام 2014 إلى نحو 16.5 مليار بيضة حاليا ، بمعدل يومي 44 مليون بيضة، محققا اكتفاء ذاتيا كاملا بنسبة 100% مع وجود فائض للتصدير.
بينما تم أيضا تخصيص 19 ألف فدان في الظهير الصحراوي لإقامة مشروعات دواجن متكاملة ومعزولة بيئيا، موزعة على 9 مناطق في 4 محافظات للأمان الحيوي، وتشجيع المربين على التحول للنظام المغلق بتمويلات ميسرة، كما تم اعتماد 59 منشأة داجنة معزولة خالية من إنفلونزا الطيور من المنظمة العالمية للصحة الحيوانية (WOAH) لفتح آفاق التصدير.
غزو المنتجات المصرية للعالم.. الصادرات الزراعية تخترق 170 سوقا دوليا بقفزة نمو تتجاوز الـ 300%
وننتيجة لقفزات الإنتاج وجودته، فقد شهدت الصادرات الزراعية المصرية طفرة غير مسبوقة؛ حيث ارتفع حجم الصادرات من نحو 2.77 مليون طن عام 2014 إلى 9.5 مليون طن في عام 2025، بنسبة زيادة تجاوزت 300%، وهو ما يمثل إنجازا نوعيا للأمن الاقتصادي، نتيجة التوسع في فتح أسواق جديدة مع ضمان انسياب حركة الصادرات وإزالة أية معوقات تواجهها من فرض قيود مؤقتة أو ارتفاع لنسب الفحوصات الإضافية، حيث بلغ عدد الأسواق التي تنفذ إليها السلع الزراعية المصرية نحو 170 سوقا عالميا، من بينها 21 سوقا جديدا تم فتحها خلال النصف الأول من عام 2026 الحالي، مما ساهم في تنويع منافذ التصدير وضبط الميزان التجاري مع عدة دول.
وفيما يخص قطاع الموارد المائية والري، تستمر مشروعات تعزيز الأمن المائي، في إطار تنفيذ توجيهات السيد الرئيس عبدالفتاح السيسي، بشأن تعزيز الأمن المائي المصري، ورفع كفاءة إدارة الموارد المائية، ودعم جهود الدولة في تحقيق التنمية المستدامة، فقد واصلت وزارة الموارد المائية والري برنامج عمل متكامل استهدف تطوير مختلف قطاعات الوزارة، مع التركيز على رفع كفاءة إدارة المنظومة المائية، وتعزيز الاعتماد على التكنولوجيا الحديثة، وتطوير الأداء المؤسسي، ودعم الحضور المصري على المستويين الإقليمي والدولي في مختلف القضايا المرتبطة بالمياه.
مستهدفات الجيل الثاني لمنظومة المياه
وجاءت جهود وزارة الري خلال هذه الفترة امتدادا لمسار التطوير الذي بدأته خلال السنوات الماضية، مع التركيز على الإسراع في تنفيذ مستهدفات الجيل الثاني لمنظومة المياه (2.0)، باعتباره الإطار التنفيذي لتحديث منظومة إدارة المياه في مصر، والذي يرتكز على تعظيم الاستفادة من الموارد المائية المحدودة، وتحسين كفاءة استخدام المياه، والاعتماد على النظم الذكية، وتعزيز الحوكمة والتحول الرقمي، وبناء القدرات المؤسسية، بما يواكب التحديات المتزايدة الناتجة عن النمو السكاني والتغيرات المناخية واستمرار محدودية الموارد المائية.
معالجة المياه.. مشروع المسار الناقل لمياه الصرف بغرب الدلتا
وقد تواصل العمل في مجال التوسع في "معالجة وإعادة استخدام المياه" والتي تُعد المحور الأول من محاور الجيل الثاني لمنظومة المياه، ويتواصل العمل على تنفيذ مشروع المسار الناقل لمياه الصرف الزراعي بغرب الدلتا لمحطة الدلتا الجديدة لمعالجة المياه، والذى يتكون من 13 محطة رفع ومسار ناقل بطول 174 كم لاستصلاح 362 ألف فدان بنسبة تنفيذ تصل إلى 79%، كما يتواصل تنفيذ مسارين لنقل المياه من محطة معالجة مياه مصرف بحر البقر بطول 105 كيلومترات و18 محطة رفع لاستصلاح 456 ألف فدان بشمال و وسط سيناء بنسبة تنفيذ تصل إلى حوالىطي 89%.
الرقمنة ومنظومة التراخيص الإلكترونية للآبار
وقد انتهت الوزارة من إعداد منظومة التراخيص الإلكترونية للمتقدمين للحصول على تراخيص حفر آبار المياه الجوفية، وإعداد قواعد بيانات للترع والمصارف والمنشآت المائية وأعمال التطهيرات والمعدات والسيارات، والعمل على رقمنة العديد من الملفات بجهات الوزارة المختلفة مثل قواعد بيانات الموارد البشرية وأملاك الرى ورقمنة اجراءات تحصيل مستحقات الوزارة المالية والتراخيص للتسهيل على المواطنين والإسراع في الإجراءات، كما تم الانتهاء من منظومة تحصيل مستحقات الوزارة من حق الانتفاع بأملاك ومنافع الري، وكذا تحصيل قيمة مخالفات تبديد المياه و غيرها من المستحقات لدعم موازنة الدولة وتحسين المستوى المادى للعاملين بالوزارة مع استمرار المتابعة لتلك المنظومة.
السد العالي.. وتطوير منظومة الرصد والقياس
وفي إطار رفع كفاءة البنية التحتية للموارد المائية والري، تتواصل أعمال تطوير منظومة الرصد والقياس بالسد العالي وخزان أسوان، وأعمال صيانة بوابات خزان أسوان، كما يتم تنفيذ مشروع زيادة القدرة التصريفية لخور وقناة مفيض توشكى لتعزيز مرونة المنظومة المائية وتأمين السد العالي.
وتم الانتهاء من "مشروع إنشاء مجموعة قناطر ديروط الجديدة" ودخولها حيز التشغيل، وجاري وضع اللمسات النهائية تمهيداً لافتتاحها قريباً.
وجاري العمل على تنفيذ "مشروع تأهيل المنشآت المائية" بناء على الحصر والتقييم السابق عمله لـ 55998 منشأ مائيا بمختلف المحافظات، حيث تم حتى الآن التعاقد لإحلال 508 منشآت، وجاري إتمام التعاقد لإحلال وتجديد 139 منشأ، وجاري تجهيز مستندات التعاقد على 200 منشأ.
الترشيد.. والتوعية بأهمية كل قطرة مياه
وتتواصل مجهودات التوعية بأهمية الحفاظ على المياه، سواء من خلال إدارات التوجيه المائي التي تتواصل مع المزارعين بشكل دائم وتحرص على عرض الممارسات الناجحة للمزارعين لتشجيع غيرهم على تطبيق هذه الممارسات في أراضيهم الزراعية، أو من خلال الإعلام ووسائل التواصل الاجتماعي المختلفة، حيث أطلقت الوزارة حملة توعوية تحت عنوان (على القد) لتوعية المواطنين بأهمية ترشيد المياه والحفاظ عليها، أو من خلال الندوات التوعوية التى تعتمد على طرق مبتكرة فى الشرح تناسب الفئات العمرية المختلفة.
جهود الوزارة إقليميا ودوليا وتعزيز الحضور الفاعل في المحافل الدولية
وفيما يخص الملف الخارجي لرفع مكانة المياه بالخطط الوطنية للدول والسياسات الإقليمة والدولية، شهدت الفترة الماضية نشاطا مكثفا لوزارة الموارد المائية والري على المستويين الإقليمي والدولي، في إطار تنفيذ توجيهات الدولة المصرية بتعزيز الحضور الفاعل في مختلف المحافل المعنية بالمياه، ودعم الدبلوماسية المائية المصرية، وتعظيم الاستفادة من الشراكات الدولية في تنفيذ أولويات قطاع المياه، وتعزيز التعاون بين مصر ودول العالم والمنظمات الإقليمية والدولية لخدمة قضايا المياه والعمل على وضع المياه على رأس أجندة العمل المناخي العالمي.






