لماذا يرمي الحجاج الجمرات؟.. قصة شعيرة بدأت مع إبراهيم عليه السلام ومراغمة الشيطان
تعرف على أصل رمي الجمرات في الحج، وكيف بدأت الشعيرة مع سيدنا إبراهيم عليه السلام، وفق ما ورد في الأحاديث والآثار عن تعليم جبريل عليه السلام مناسك الحج.
تُعد شعيرة رمي الجمرات من أبرز مناسك الحج التي تربط المسلمين بذاكرة الملة الحنيفية، وقصة الخليل إبراهيم عليه السلام، وتعود جذور هذه الشعيرة إلى اللحظات التي امتثل فيها سيدنا إبراهيم عليه السلام لأمر ربه سبحانه وتعالى، وواجه خلالها وساوس الشيطان بالرجم والتكبير.
واستنَّ الخليل إبراهيم عليه السلام رمي الجمرات برجمه الشيطان سبعًا في مواضع النسك، حين عرض له ليصده عن أمر الله تعالى، فكان الرجم والتكبير دحرًا لغوايته، ويقينًا بالوحي، كما رافق جبريل عليه السلام سيدنا إبراهيم عليه السلام معلمًا إياه هيئة الرمي والتكبير في المواقع الثلاثة، لتظل هذه الشعيرة مرتبطة بذكرى الفداء العظيم وقصة الذبيح.
أصل رمي الجمرات ومراغمة الشيطان
ورد أصل هذه الشعيرة فيما رواه عبد الله بن عباس رضي الله عنهما، كما جاء في الحديث:
«عَنْ أَبِي الطُّفَيْلِ، قَالَ: قُلْتُ لِابْنِ عَبَّاسٍ: ...: وَيَزْعُمُ قَوْمُكَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سَعَى بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ، وَأَنَّ ذَلِكَ سُنَّةٌ؟ قَالَ: صَدَقُوا، إِنَّ إِبْرَاهِيمَ لَمَّا أمِرَ بِالْمَنَاسِكِ، عَرَضَ لَهُ الشَّيْطَانُ عِنْدَ الْمَسْعَى فَسَابَقَهُ، فَسَبَقَهُ إِبْرَاهِيمُ، ثُمَّ ذَهَبَ بِهِ جِبْرِيلُ إِلَى جَمْرَةِ الْعَقَبَةِ، فَعَرَضَ لَهُ شَيْطَانٌ - قَالَ يُونُسُ: الشَّيْطَانُ - فَرَمَاهُ بِسَبْعِ حَصَيَاتٍ، حَتَّى ذَهَبَ، ثُمَّ عَرَضَ لَهُ عِنْدَ الْجَمْرَةِ الْوُسْطَى فَرَمَاهُ بِسَبْعِ حَصَيَاتٍ، قَالَ: قَدْ تَلَّهُ لِلجَبِينِ - قَالَ يُونُسُ: وَثَمَّ تَلَّهُ لِلجَبِينِ - وَعَلَى إِسْمَاعِيلَ قَمِيصٌ أَبْيَضُ، وَقَالَ: يَا أَبَتِ، إِنَّهُ لَيْسَ لِي ثَوْبٌ تُكَفِّنُنِي فِيهِ غَيْرُهُ، فَاخْلَعْهُ حَتَّى تُكَفِّنَنِي فِيهِ، فَعَالَجَهُ لِيَخْلَعَهُ، فَنُودِيَ مِنْ خَلْفِهِ: ﴿أَن یَٰۤإِبۡرَٰهِیمُ * قَدۡ صَدَّقۡتَ ٱلرُّءۡیَاۤۚ﴾ [الصافات: ١٠٤ - ١٠٥] فَالْتَفَتَ إِبْرَاهِيمُ، فَإِذَا هُوَ بِكَبْشٍ أَبْيَضَ أَقْرَنَ أَعْيَنَ، قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: لَقَدْ رَأَيْتُنَا نَتْبَعُ ذَلِكَ الضَّرْبَ مِنَ الكِبَاشِ، قَالَ: ثُمَّ ذَهَبَ بِهِ جِبْرِيلُ إِلَى الْجَمْرَةِ الْقُصْوَى، فَعَرَضَ لَهُ الشَّيْطَانُ، فَرَمَاهُ بِسَبْعِ حَصَيَاتٍ حَتَّى ذَهَبَ، ثُمَّ ذَهَبَ بِهِ جِبْرِيلُ إِلَى مِنًى قَالَ: هَذَا مِنًى...»
[مسند الإمام أحمد: ٢٧٠٧].
تعليم جبريل عليه السلام المناسك لإبراهيم عليه السلام
ومن الآثار التي تبين كيفية تعليم جبريل عليه السلام مناسك الحج لسيدنا إبراهيم عليه السلام، ما أورده الإمام ابن الجوزي رحمه الله، حيث قال: «قَالَ أَبُو مِجْلَزٍ: لَمَّا فَرَغَ إِبْرَاهِيمُ عَلَيْهِ السَّلامُ مِنَ الْبَيْتِ، أَتَاهُ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلامُ فَأَرَاهُ الطَّوَافَ، ثُمَّ أَتَى بِهِ جَمْرَةَ الْعَقَبَةِ، فَعَرَضَ لَهُ الشَّيْطَانُ، فَأَخَذَ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلامُ سَبْعَ حَصَيَاتٍ، وَأَعْطَى إِبْرَاهِيمَ سَبْعًا، وَقَالَ لَهُ: ارْمِ وَكَبِّرْ، فَرَمَيَا وَكَبَّرَا مَعَ كُلِّ رَمْيَةٍ، حَتَّى غَابَ الشَّيْطَانُ، ثُمَّ أَتَى بِهِ الْجَمْرَةَ الْوُسْطَى، فَعَرَضَ لَهُمَا الشَّيْطَانُ، فَأَخَذَ جِبْرِيلُ سَبْعَ حَصَيَاتٍ وَأَعْطَى إِبْرَاهِيمَ سَبْعًا، وَقَالَ لَهُ: ارْمِ وَكَبِّرْ، فَرَمَيَا وَكَبَّرَا مَعَ كُلِّ رَمْيَةٍ، ثُمَّ غَابَ الشَّيْطَانُ، ثُمَّ أَتَى بِهِ الْجَمْرَةَ الْقُصْوَى فَفَعَلا كَذَلِكَ».
وأضاف ابن الجوزي: «هَذَا هُوَ الأَصْلُ فِي شُرُوعِ الرَّمْيِ، كَالأَصْلِ فِي شُرُوعِ السَّعْيِ، سَعْيِ هَاجَرَ، بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ». [مثير الغرام الساكن إلى أشرف الأماكن لابن الجوزي: ص٢٠٩].
رمزية رمي الجمرات
وتحمل شعيرة رمي الجمرات معاني عظيمة، أبرزها:
- إعلان العداوة للشيطان ووساوسه.
- تجديد معاني الطاعة والامتثال لله.
- الاقتداء بسيدنا إبراهيم عليه السلام في الثبات على أمر الله.
- استحضار معاني التضحية والفداء والإخلاص.
ويحرص الحجاج خلال أيام التشريق على رمي الجمرات الثلاث اقتداءً بسنة النبي صلى الله عليه وسلم، وإحياءً لشعيرة ممتدة منذ عهد الخليل إبراهيم عليه السلام وحتى اليوم.

















