مصر وتركيا.. تطابق الرؤى تجاه ملفات المنطقة وشراكة تعيد رسم توازنات الشرق الأوسط
في لحظة إقليمية بالغة التعقيد، تتقاطع فيها الحروب مع مشاريع التفكيك، وتتصاعد فيها محاولات كسر الدول الوطنية لصالح الميليشيات والفوضى، تبرز العلاقات الاستراتيجية بين مصر وتركيا بوصفها أحد أهم محاور إعادة تشكيل التوازنات السياسية والأمنية في الإقليم.
فعلى ضفتي المتوسط، تلتقي القاهرة وأنقرة عند مفترق مصالح حيوية تعيدان من خلاله صياغة منطق التعامل مع أزمات الشرق الأوسط، على أساس حماية الدولة، ورفض التقسيم، وتغليب التنسيق بين القوى الإقليمية الكبرى.
في صدارة هذا التفاهم الاستراتيجي، تأتي القضية الفلسطينية، حيث يتطابق الموقفان المصري والتركي في الرفض القاطع لمحاولات تهجير الفلسطينيين من قطاع غزة، وتؤكد القاهرة وأنقرة أن حل الدولتين يظل الإطار الوحيد القادر على إنهاء الصراع، ووقف دوامة العنف المستمرة.
وفي السودان، تتلاقى الرؤى المصرية والتركية عند أولوية الحفاظ على وحدة الدولة السودانية ورفض سيناريوهات التفكك والتقسيم، ويؤكد الطرفان دعمهما الكامل لبسط الجيش السوداني سيطرته على كامل أراضي البلاد، مع الرفض القاطع لوجود جماعات مسلحة خارج إطار الدولة، وفي مقدمتها قوات الدعم السريع.
أما في لبنان، فيعكس التنسيق المصري التركي رؤية واضحة تقوم على أولوية الدولة وسيادتها، وضرورة بسط سلطتها الكاملة على الجنوب اللبناني، بحيث يكون الجيش اللبناني هو الجهة الوحيدة الحاملة للسلاح، وترى القاهرة وأنقرة أن استمرار حالة ازدواجية القرار الأمني يشكل تهديدا دائما للاستقرار الداخلي، ويجعل لبنان ساحة مفتوحة لصراعات إقليمية بالوكالة.
وفي الملف السوري، يبرز تطابق الرؤى المصرية والتركية حول أهمية الحفاظ على الدولة السورية ومؤسساتها، في مرحلة شديدة الحساسية أعقبت سقوط نظام بشار الأسد، ويؤكد الطرفان أن تجاوز آثار الحرب لا يمكن أن يتحقق إلا عبر عملية سياسية شاملة، تشارك فيها جميع مكونات الشعب السوري دون إقصاء، بما يضمن وحدة الأراضي السورية، ويمنع إعادة إنتاج الفوضى أو تقسيم البلاد تحت أي ذريعة.
وفي ليبيا، يمثل التقارب المصري التركي تحولا مفصليا، حيث يتفق الطرفان على ضرورة توحيد الشرق والغرب الليبي تحت حكومة واحدة، وجيش وطني واحد، وبرلمان واحد، مع إعطاء أولوية قصوى لخفض التصعيد وإنهاء حالة الانقسام التي أنهكت الدولة الليبية وفتحت الباب أمام التدخلات الخارجية.
كما يمتد التنسيق المصري التركي ليشمل الملف الصومالي، حيث أعلنت القاهرة وأنقرة رفضهما القاطع لأي محاولات لتقسيم الصومال، كما شدد البلدان على دعم وحدة وسيادة وسلامة الأراضي الصومالية، اتساقا مع مبادئ القانون الدولي وميثاق الأمم المتحدة، ورفض أي إجراءات أحادية من شأنها المساس بالسيادة الصومالية، أو تقويض أسس الاستقرار في البلاد.
ويكتسب ملف غاز شرق المتوسط أهمية خاصة في مسار العلاقات بين القاهرة وأنقرة، إذ يتجه الطرفان إلى مجال للتعاون المشترك، عبر التفاهم بشأن ترسيم الحدود البحرية، وتعزيز الشراكات في مجالات استخراج ونقل الغاز، بما يخدم أمن الطاقة الإقليمي ويعزز مكانة الدولتين كمحورين أساسيين في معادلة الطاقة بشرق المتوسط.
في المحصلة، لا يمكن قراءة التعاون المصري التركي بمعزل عن السياق الإقليمي المتفجر، فبينما يواصل الشرق الأوسط انزلاقه الحاد بين الحرب والانقسام، تبدو القاهرة وأنقرة أمام مسؤولية تاريخية لتحويل هذا التفاهم إلى قوة استقرار حقيقية، قادرة على كبح الفوضى، وإعادة رسم أفق إقليمي أكثر توازنا وأقل قابلية للانهيار.







