من المنزل إلى الشارع والمدينة.. برنامج أفلام البستان يستكشف مساحات النساء وحدود حريتهن

تعد الفعاليات السينمائية في مصر شريان حياة تعبر من خلاله رؤى وأفكار الصناع الشباب، وتسمح بخلق فرص حوار بناء حول دعم صناعة السينما، لذلك نسلط الضوء على الفعاليات السينمائية بمختلف اتجاهاتها ومؤسساتها.
وفي ضوء تتبع أحدث الفعاليات التي سوف تقام خلال الأسبوع الجاري، أعلن معهد جوتة عن أسبوع أفلام البستان لعام 2026، تحت عنوان "كل الأماكن التي تضيق من حولنا".
ووفق الوصف التوضيحي للبرنامج على الموقع الرسمي لمعهد جوتة، "يتتبع البرنامج الحقائق غير المرئية الكامنة في المساحات العامة، ويدعونا إلى إدراك الكيفية التي تترك بها الأجساد والأمكنة أثرها في بعضها البعض باستمرار".
يقام برنامج أفلام البستان في الفترة من 16 إلى 20 سبتمبر، ويجمع بين أفلام عربية وألمانية ودولية، إلى جانب حلقة نقاشية، وبرنامج للأفلام القصيرة، ولقاءات مع صانعات وصناع الأفلام، وورشة عمل، حيث يقوم أسبوع أفلام البستان على مفهوم البرمجة التشاركية؛ وفي هذا العام، وبالتعاون مع "HerStory Films" في مصر والمهرجان الدولي لأفلام النساء في دورتموند وكولونيا (Internationales Frauen Film Fest Dortmund+Köln) في ألمانيا، يتجه البرنامج نحو السينما النسوية بوصفها ممارسة لتفكيك الثنائيات الجامدة.
وقبل انطلاق الفعاليات، حاولنا فهم أبعاد اختيار البرنامج عام 2026، وفي حديث مع فريدريكا بيريا، مديرة قسم البرامج الثقافية في معهد جوته في شمال إفريقيا والشرق الأوسط، قالت لـ"الشروق": "أسبوع أفلام البستان هو منصة قائمة على البرمجة التشاركية، وهذا يعني أن كل دورة يتم تطويرها من خلال حوار وتعاون مع مؤسسات شريكة من مصر وألمانيا، مما يتيح لنا فتح مساحة للنقاش بين لغات سينمائية مختلفة، ورؤى اجتماعية متنوعة، وسياقات ثقافية متعددة، وتنبع الموضوعات التي نختارها من الحوارات التي نجريها مع الشركاء وصناع/صانعات الأفلام".
وأضافت: "يخصص برنامج هذا العام للأفلام التي قام بإخراجها نساء، إذ لا تزال الظروف الهيكلية داخل صناعة السينما غير متكافئة؛ فتمثيل النساء يتراجع بعد تخرجهن، لا سيما بعد إنجاز أعمالهن الأولى، وبالنسبة لنا، تعد السينما النسوية مهمة لأنها تتحدى التصنيفات الجامدة وتفتح آفاقا جديدة لرؤية أنفسنا والآخرين والمجتمعات التي نعيش فيها".
بدورها، أوضحت الدكتورة ماكسا زولر، المديرة الفنية للمهرجان الدولي لأفلام النساء في دورتموند وكولونيا في تصريح لـ"الشروق": "أعتقد لا أحد يحب أن يوضع في قوالب جاهزة أو أن يختزل في تصنيفات ضيقة، ويزداد الأمر إشكالية حين ترتبط هذه التصنيفات بديناميكيات القوة، ولأن النساء لطالما تساءلن عن أدوارهن داخل المجتمعات الأبوية، فقد أصبحن بارعات في تفكيك التفكير الثنائي: امرأة مقابل رجل، والخاص مقابل العام، ونحن مقابل هم".
وتابعت: "لقد تأثر نضال النساء من أجل المساواة في صناعة السينما بعمق بحركة MeToo، التي لم تؤد فقط إلى استحداث سياسات جديدة للتمويل والدعم، بل والأهم من ذلك أنها كسرت جدار الصمت داخل عالم السينما. وعندما بدأت المخرجات في حصد أبرز الجوائز في مهرجانات كان وفينيسيا والأوسكار، وجد قطاع السينما نفسه مضطرا إلى إعادة النظر في الأساليب التقليدية لصناعة الأفلام: ما القصص التي تروى؟ ومن يرويها؟ ومن يملك حق كتابة الشخصيات ولماذا؟ وكيف نمثل النوع الاجتماعي، سواء الذكوري أو الأنثوي؟".
وواصلت: "وهكذا بدأت الثنائيات الجامدة بالتفكك، وفي برنامج هذا العام أردنا أن نسلط الضوء على ما تتميز به الكثير من المخرجات: التعامل مع الزمن بوصفه متعدد الطبقات، وخلق مساحات ديناميكية بين الداخل والخارج، والانخراط في حالات تواصل مرنة مع الأشخاص والأجساد والعالم من حولنا، يمكن ملاحظة ذلك، على سبيل المثال، في فيلم مامبار بيريت، الذي يتناول قصة خياطة كاميرونية يشكل مشغلها للخياطة فضاء شبه مفتوح ومتغيرا باستمرار، وتدور فيه أحداث الفيلم".
واستكملت: "أما في الفيلم الروائي الألماني النظر إلى الشمس، فيختبر المشاهد مفهوم الزمن النسوي بصورة مباشرة؛ إذ تتشابك الحكاية العابرة للأجيال في بنية دائرية ومتعددة الطبقات، وتتنقل بسلاسة بين فترات زمنية تمتد عبر قرن كامل، وفي الفيلم الوثائقي بيترا كيلي، الذي يرسم صورة مؤثرة لإحدى أوائل السياسيات في ألمانيا، نشهد كيف يمكن تفكيك الأدوار التقليدية المرتبطة بالسلطة في المجال السياسي، كما أن برنامج الأفلام القصيرة يطرح تساؤلات قوية حول التفكير الثنائي ويعمل على زعزعة حدوده الراسخة، فهذه الأفلام تذكرنا بأن النسوية ليست حالة بيولوجية، بل هي قبل كل شيء طريقة في التفكير ورؤية العالم".
أما عن سبب اختيار عنوان البرنامج هذا العام، كشفت يسرا الملاح، مديرة البرامج في "HerStory Films MENA"، لـ"الشروق": "هي محاولة لإعادة التفكير في العلاقة المعقدة بين الأماكن التي نعيش فيها والحيوات التي نقضيها داخلها، يتأمل هذا البرنامج الكيفية التي تشكل بها الفضاءات التي نشغلها علاقاتنا، وكيف تعيد هذه العلاقات بدورها تشكيل إدراكنا لهذه الأماكن نفسها، حيث يجمع البرنامج قصصا لنساء يتحدين المراقبة الاجتماعية وآليات الضبط المفروضة عليهن".
وأردفت: "مع تتبع التقاطعات بين الطبقة الاجتماعية والنوع الاجتماعي، تتكشف حياة هؤلاء النساء تحت وطأة توقعات اجتماعية لا تتحكم في أجسادهن فحسب، بل تمتد أيضا إلى الطرق التي يعبرن بها عن أنفسهن داخل الفضاءات اللاتي يشغلنها. فالمنزل، والمدرسة، والشارع، والمدينة ذاتها، تتحول إلى أماكن يجري فيها باستمرار التفاوض على معاني الانتماء والعزلة، وعلى قدرة المرأة على الفعل واستقلاليتها الشخصية".

