«المستشفى صديقة الأم والطفل».. من الولادة الآمنة إلى حماية أول ألف يوم في حياة الطفل

لم تعد «المستشفى صديقة الأم والطفل» مجرد مبادرة تستهدف تحسين ظروف الولادة أو تشجيع الرضاعة الطبيعية، وإنما تتحول اليوم إلى معيار واضح لجودة الرعاية الصحية المقدمة للأم وطفلها، مع انطلاق فعاليات إطلاق معايير اعتماد المنشآت الصحية صديقة الأم والطفل، بحضور الدكتور خالد عبدالغفار، نائب رئيس مجلس الوزراء وزير الصحة والسكان، والدكتور أحمد طه، رئيس الهيئة العامة للاعتماد والرقابة الصحية، وبالتعاون مع منظمة اليونيسف ومنظمة الصحة العالمية وبرنامج الغذاء العالمي.

ويأتي إطلاق المعايير الجديدة تتويجًا لمرحلة من العمل والتدريب بدأت خلال يوليو الماضي، عندما شهدت الدكتورة عبلة الألفي، نائب وزير الصحة والسكان، والدكتور أحمد طه افتتاح البرنامج التدريبي لمقيّمي اعتماد المنشآت الصحية صديقة الأم والطفل، في خطوة مهدت للانتقال من وضع المعايير إلى مرحلة تقييم المنشآت ومدى التزامها بها.
وتحمل الخطوة أهمية خاصة لأنها تضع للمرة الأولى إطارًا أكثر وضوحًا لما يجب أن تقدمه المنشأة الصحية للأم والطفل، فلا يصبح وصف «صديقة للأم والطفل» مجرد لافتة، وإنما شهادة تستند إلى متطلبات ومعايير قابلة للتقييم والاعتماد.
عبلة الألفي.. «الألف يوم» تبدأ من قبل الولادة

ويرتبط هذا التوجه بصورة مباشرة بفلسفة الدكتورة عبلة الألفي في ملف الأم والطفل، والتي طالما ركزت على أن الاستثمار الحقيقي يبدأ منذ الحمل ويمتد خلال السنوات الأولى من عمر الطفل.
وتتلاقى معايير المنشآت الصديقة للأم والطفل مع مفهوم «الألف يوم الذهبية»، التي تستهدف حماية صحة الأم والطفل منذ الحمل وحتى بلوغ الطفل عامين، باعتبارها مرحلة تأسيسية في نموه الجسدي والعقلي والنفسي.
وكانت الألفي قد أكدت في طرحها لمفهوم «الألف يوم» أهمية تمكين الأسرة والحفاظ على حقوق الأم والطفل في الرعاية الصحية والنفسية، إلى جانب دعم الولادة الطبيعية والرضاعة الطبيعية والتغذية السليمة وتأهيل مقدمي الخدمة.
ومن هنا، فإن المستشفى الصديقة للأم والطفل لا تبدأ مهمتها عند دخول الأم غرفة الولادة، وإنما يفترض أن تكون حلقة في سلسلة رعاية متصلة، تبدأ من التوعية والاستعداد للحمل، مرورًا بمتابعة الحمل والولادة، ثم رعاية الأم والمولود بعد الولادة، وربط الأسرة بخدمات الرعاية الأولية والمتابعة.
أحمد طه.. المعايير تحول «الصداقة» إلى جودة قابلة للقياس
أما دور الهيئة العامة للاعتماد والرقابة الصحية، برئاسة الدكتور أحمد طه، فيتمثل في تحويل هذا المفهوم إلى معايير اعتماد يمكن قياسها ومراجعتها، بما يضمن ألا يختلف مستوى الرعاية من منشأة إلى أخرى.
وتعني هذه النقلة أن المنشأة لن تكون «صديقة للأم والطفل» لمجرد توافر حضانة أو قسم للنساء والتوليد، وإنما بمدى التزامها بمنظومة متكاملة تشمل سلامة الأم والمولود، واحترام خصوصية وكرامة المرأة، وجودة الرعاية أثناء الولادة وبعدها، ودعم الرضاعة الطبيعية، وتوفير بيئة آمنة لحديثي الولادة.

ماذا سيحدث داخل المستشفى؟
المعيار الحقيقي سيظهر في تفاصيل رحلة الأم، بداية من استقبالها وحصولها على المعلومات اللازمة، مرورًا بالرعاية أثناء الحمل والولادة، وحتى الساعات والأيام الأولى بعد الولادة.
وتشمل فلسفة المنشآت الصديقة للأم والطفل دعم الولادة الآمنة، وتجنب التدخلات الطبية غير الضرورية، ومساعدة الأم على بدء الرضاعة الطبيعية مبكرًا، وتشجيع التلامس الجسدي بين الأم ومولودها، وعدم الفصل بينهما إلا إذا كانت هناك ضرورة طبية.
كما تتطلب المنظومة تدريب الأطقم الطبية والتمريضية على تقديم المشورة والدعم للأم، خاصة فيما يتعلق بالرضاعة الطبيعية وتغذية الرضيع، مع توفير رعاية متخصصة للمولود إذا احتاج إلى ذلك.
«صديقة الطفل» تبدأ من احترام الأم
اللافت في هذا النموذج أن رعاية الطفل لا تنفصل عن رعاية والدته؛ فالأم التي تحصل على معلومات واضحة، وتحظى بالاحترام والخصوصية، وتشارك في القرارات المتعلقة برعايتها، تكون أكثر قدرة على رعاية طفلها.
ولهذا فإن مفهوم «الصداقة» هنا لا يعني فقط تجهيزات طبية أفضل، وإنما ثقافة متكاملة داخل المنشأة الصحية تبدأ من طريقة التعامل مع المرأة، وتمتد إلى الممارسات الطبية والتمريضية والتغذوية.

من المبادرة إلى الاعتماد
ويُعد إطلاق المعايير اليوم خطوة فارقة في هذا الملف، لأنها تنقل «المستشفيات الصديقة للأم والطفل» من نطاق المبادرات والتوعية إلى منظومة اعتماد رسمية، تشارك في بنائها مؤسسات وطنية ودولية، من بينها وزارة الصحة والسكان، والهيئة العامة للاعتماد والرقابة الصحية، ومنظمة الصحة العالمية، واليونيسف، وبرنامج الغذاء العالمي.
وبدءًا من اليوم، يصبح السؤال الأهم ليس: «هل المستشفى لديها قسم ولادة؟»، وإنما: هل تقدم للأم وطفلها رحلة رعاية آمنة ومتكاملة وفق معايير معتمدة؟
وهنا تكمن أهمية المعايير الجديدة؛ فهي لا تستهدف تغيير شكل المستشفى فقط، وإنما تغيير تجربة الأم نفسها، لتدخل المنشأة وهي تعرف حقوقها، وتحصل على رعاية آمنة ومحترمة، وتخرج منها وهي وطفلها على بداية أفضل.
فإذا كانت «الألف يوم الذهبية» تضع الأساس الصحي لحياة الطفل، فإن «المستشفى صديقة الأم والطفل» تمثل إحدى أهم البوابات التي يبدأ منها تنفيذ هذا المفهوم على أرض الواقع.


