فعاليات الذكرى العاشرة لجائزة البوكر.. دوا ليبا: الأدب المترجم يفتح أبواب فهم الآخر ويكسر الحواجز الثقافية

ألقت المغنية البريطانية الألبانية الأصل دوا ليبا كلمة خلال افتتاح فعالية الذكرى العاشرة للجائزة العالمية للبوكر، التي أُقيمت في مركز ساوث بانك سنتر بالعاصمة البريطانية لندن في الثامن من شهر مايو الجاري، احتفاءًا بمرور عقد كامل على إطلاق الجائزة الدولية المخصصة للأدب المترجم.
وقالت "ليبا"، إن حياتها، رغم شعورها الدائم بالانتماء والثبات، لم تكن يومًا محلية بالمعنى التقليدي، موضحة أنها وُلدت في المملكة المتحدة، لكن لغتها الأولى كانت الألبانية، بينما أصبحت لندن موطنها الأساسي رغم تنقلها المستمر حول العالم.
وأوضحت أنها تشعر بامتياز كبير لأنها تسافر اليوم إلى مختلف أنحاء العالم من خلال عملها الذي تحبه، مشيرة إلى أنها أحيت خلال العام الماضي حفلات مباشرة في 33 مدينة موزعة على 20 دولة، وغنت بتسع لغات مختلفة.
وأضافت أن عاداتها القرائية تعكس النمط نفسه من التنقل والانفتاح الثقافي، لافتة إلى أنه منذ إطلاق نادي القراءة الخاص بها "نادي سيرفس 95 للقراءة" قبل 3 سنوات، وقع اختيارها على 8 من أصل 33 كتابًا للقراءة الشهرية تنتمي إلى الأدب المترجم.
وأشارت إلى أن هذه الكتب الـ33 حملت قصصًا تدور أحداثها في دول متعددة، من بينها اليابان وكوريا ونيجيريا وكولومبيا والولايات المتحدة والمكسيك والمجر والنرويج وأفغانستان وبولندا وأيرلندا وإسبانيا والمملكة المتحدة وفرنسا وفيتنام وأستراليا.
وأكدت أنها تقرأ بقدر ما يسمح به وقتها، موضحة أن بعض الكتب التي تحبها تتحول إلى اختيارات ضمن نادي الكتاب، بينما تبقى كتب أخرى شغفًا خاصًا تحتفظ به لنفسها.
وقالت إن الأدب المترجم نقلها إلى تجارب وحيوات مختلفة، إذ جعلها تتجول في شوارع نابولي الإيطالية من منظور فتاة صغيرة بدأت تدرك أن كونها امرأة سيؤثر في شكل مستقبلها، كما وضعها وسط أجواء غامضة في ريف بولندا حيث بدت الحيوانات وكأنها تنتقم من الصيادين، قبل أن تترك الرواية الباب مفتوحًا للتشكيك في حقيقة ما حدث.
وأضافت دوا ليبا أن الأدب المترجم منحها فرصة لخوض تجارب إنسانية متباينة من خلال الشخصيات والقصص التي قرأتها، إذ تعلمت دروسًا غير متوقعة من رواية تدور حول حمامة تعيش على شرفة في مكسيكو سيتي، مستشهدة بما كتبته الكاتبة المكسيكية جوادالوبي نيتيل بأن "لا شيء يفوت الحمام"، والمقصود وكأن الحمام يلاحظ كل ما يحدث حوله حتى أدق التفاصيل.
وأوضحت أن بعض الروايات جعلتها تعيش لحظات شديدة القسوة والتأثير، من بينها قصة تناولت مكالمة بين عناصر إنقاذ فرنسيين رفضوا إرسال المساعدة إلى 30 طالب لجوء كانوا يغرقون أثناء محاولتهم الوصول إلى بريطانيا، إلى جانب روايات أخرى نقلتها إلى قصص حب مؤلمة في تشيكوسلوفاكيا، وعلاقات عاطفية انتهت بخيبة قلب في طوكيو خلال ستينيات القرن الماضي.
كما لفتت إلى أن الكتب أخذتها إلى عوالم وتجارب مختلفة تمامًا، من بينها رواية جعلتها تعيش أجواء مواجهة فرقة إعدام في كولومبيا، فيما تعرّفت هذا العام، عبر إحدى الروايات، على تقليد "العذارى المحلَّفات" في ألبانيا، وهي ظاهرة اجتماعية تاريخية كانت بعض النساء يتخلين فيها عن الزواج ويعشن بهوية ودور اجتماعي يُعاملان معاملة الرجال داخل المجتمع الألباني.
وقالت دوا ليبا، إن هذه القصة لم تكن لتصل إليها لولا وجود كاتب من بلغاريا قام بتناولها أو توثيقها، ثم قام مترجم بلغاري بنقلها، ثم تولّت دار نشر بريطانية مستقلة صغيرة نشرها، إلى أن لفتت انتباه جائزة أدبية دولية، وبذلك وصلت إليها في النهاية، مؤكدة أنه لا يوجد ما يشبه الكتاب في فهم وجهات نظر الآخرين، وأن الأدب المترجم يدفع هذا الفهم إلى مدى أبعد.
ووصفت الأدب المترجم بأنه "الترياق المضاد لفكرة صناعة الآخر"؛ بمعنى أن الأدب المترجم يساعد على كسر فكرة تقسيم الناس إلى "نحن" و"هم"، لأنه يتيح فهم تجارب وثقافات مختلفة ويعزز التعاطف بدل الأحكام المسبقة، موضحة أنه يجمع بين تجربة إنسانية عالمية وأخرى شديدة الخصوصية في الوقت نفسه.
كما كشفت أن إطلاق ناديها للقراءة لم يتم داخل مقهى هادئ في لندن، بل من خلال مجموعة قراءة داخل سجن النساء في "داونفيو"، حيث شاركت ضمن برنامج "بوكس أنلوكد" الذي يهدف غالبًا لتشجيع القراءة داخل أماكن مثل السجون أو المؤسسات الإصلاحية.
وأوضحت أن مؤسسة جائزة "البوكر" توفر سنويًا نسخًا مجانية من الكتب المرشحة للجائزة إلى السجون البريطانية ومؤسسات تأهيل الأحداث، بما يشمل أيضًا الكتب المدرجة ضمن القائمة الدولية للجائزة.
وأكدت أن واحدة من أكثر المناقشات عمقًا حول الكتب شهدتها كانت خلال ذلك اللقاء في سجن "داونفيو"، مشيرة إلى أنها لن تنسى ما قالته إحدى السجينات، حين اعترفت بأنه ربما لو قرأت كتبًا أكثر في شبابها، لما كانت موجودة في السجن الآن.
وقالت إن تلك اللحظة جعلتها تدرك أن قراءة الكتب تتجاوز كثيرًا فكرة كونها نشاطًا فرديًا، إذ يمكن أن تفتح بابًا للنقاش مع الأصدقاء أو تتيح، كما حدث في السجن، مشاركة تجربة إنسانية عميقة داخل مجموعة أوسع.
وأضافت أن مناقشات نوادي القراءة تصبح أكثر ثراء أحيانًا عندما يختلف المشاركون في آرائهم حول الكتاب، وأشارت إلى أن الفائز بجائزة البوكر الدولية العام الماضي كان كتاب "مصباح القلب" للكاتبة الهندية بانو مشتاق، بترجمة ديبا أنابارا.
واختتمت دوا ليبا حديثها بالإشارة إلى ما قالته بانو مشتاق في خطاب قبول الجائزة، حين أكدت أن هذا الكتاب وُلد من الإيمان بأنه لا توجد قصة صغيرة، وأن كل خيط في نسيج التجربة الإنسانية يحمل ثقل الصورة الكاملة، مضيفة أنها كقارئة ترغب دائمًا في تتبع تلك الخيوط الإنسانية المشتركة، قبل أن تصف القراءة بأنها "متعة كبرى"، وتوجه الشكر إلى جائزة البوكر الدولية لمنح القراء هذه الهدية.

