هي وهما
هي وهما

خارجي وداخلي

طب الطوارئ.. حين تصبح الدقائق الفاصلة بين الحياة والموت اختبارًا للنظام الصحي

-

لم تعد الكوارث الصحية تبدأ لحظة وقوع الحادث، ولا تنتهي بوصول المصاب إلى قسم الطوارئ؛ فبين الحدث المفاجئ ووصول المريض إلى الرعاية المناسبة سلسلة كاملة من القرارات والاستعدادات قد تحدد مصير الحالة، وهو ما يضع طب الطوارئ والكوارث في مقدمة الملفات التي تختبر جاهزية أي نظام صحي وقدرته على إنقاذ الأرواح في أصعب الظروف.
هذه القضية تصدرت مناقشات المؤتمر العلمي السنوي لكلية طب قصر العيني بجامعة القاهرة، الذي انعقد اليوم تحت عنوان «طب الطوارئ والكوارث في عالم متغير»، بمشاركة الدكتور خالد عبد الغفار وزير الصحة والسكان، والدكتور محمد سامي عبد الصادق رئيس جامعة القاهرة، والدكتور حسام صلاح عميد كلية طب قصر العيني ورئيس المؤتمر، والدكتور إبراهيم صابر محافظ القاهرة، والدكتور أحمد الأنصاري محافظ الجيزة، إلى جانب عدد من قيادات المنظومة الصحية وأساتذة وخبراء الطوارئ والكوارث.
وطرح المؤتمر سؤالًا يتجاوز حدود التعامل مع الحالات الحرجة داخل المستشفيات: هل تمتلك المنظومة الصحية القدرة على الاستعداد قبل الأزمة، والاستمرار في تقديم الخدمة عندما تكون الأزمة نفسها قد أصابت المنشآت والموارد والكوادر؟
وتكشف الأرقام العالمية سبب تصاعد أهمية هذا التخصص؛ إذ ترتبط الحالات التي يمكن لخدمات الطوارئ والرعاية الحرجة والجراحية التعامل معها بنحو 38 مليون وفاة سنويًا حول العالم، وفق بيانات منظمة الصحة العالمية، إضافة إلى نحو 1.3 مليار سنة من العمر المصححة باحتساب العجز.
ولا تتعلق هذه الأرقام بالكوارث الكبرى وحدها، وإنما تشمل طيفًا واسعًا من الحالات الحادة والإصابات والأمراض التي تتطلب تدخلاً سريعًا، بما يجعل كفاءة منظومة الطوارئ عاملًا مباشرًا في تقليل الوفيات والمضاعفات.
وتشير منظمة الصحة العالمية كذلك إلى أن أكثر من نصف الوفيات في البلدان منخفضة ومتوسطة الدخل، بما يقارب 30 مليون وفاة سنويًا، يمكن التعامل مع جزء كبير منها من خلال رعاية طارئة فعالة، وهو ما يضع سرعة الوصول إلى الخدمة، وكفاءة الكوادر، وتكامل النقل والإحالة والرعاية داخل المستشفيات في صميم معركة إنقاذ الحياة.
لكن التحدي لا يتعلق بالمريض وحده؛ فالكارثة قد تصل إلى المستشفى نفسه.
وتظهر بيانات منظمة الصحة العالمية أن نحو 44% من المنشآت الصحية التي شملها الرصد الدولي تقع في مناطق معرضة للكوارث، بينما شمل أحد التحليلات أكثر من 55 ألف منشأة صحية في 19 دولة، ما يعكس حجم التحدي المرتبط بضمان استمرار المنشآت الصحية في العمل عندما تتعرض المناطق المحيطة بها لكوارث أو أزمات واسعة النطاق.
ومن هنا جاءت الرسالة الأساسية التي حملها مؤتمر قصر العيني: الاستعداد للكوارث يبدأ قبل وقوعها.
وأكد الدكتور خالد عبد الغفار أن طبيعة المخاطر التي يواجهها العالم تفرض على النظم الصحية تطوير قدراتها على الاستعداد المسبق، في ظل أزمات متداخلة تشمل الأوبئة والكوارث والأزمات الإنسانية وتداعيات التغيرات المناخية، بما يستلزم بناء نظم صحية أكثر مرونة وصمودًا.
وشدد الدكتور محمد سامي عبد الصادق على أن طب الطوارئ والكوارث يمثل اختبارًا حقيقيًا لكفاءة النظام الصحي، وأن مواجهة الظروف الاستثنائية لا تعتمد على الإمكانات الطبية فقط، وإنما تحتاج إلى كوادر مؤهلة، وتدريب مستمر، وسرعة في اتخاذ القرار، وإدارة فعالة للموارد، وتنسيق بين المؤسسات والجهات المعنية.
وفي السياق نفسه، أوضح الدكتور حسام صلاح أن التعامل مع الكوارث لا يبدأ عند وقوعها، وإنما من خلال التخطيط ووضع السيناريوهات المحتملة ورفع جاهزية المستشفيات وتأهيل الفرق الطبية وإعداد قيادات قادرة على إدارة الموارد واتخاذ القرار في الوقت المناسب.
وأكد الدكتور إبراهيم صابر أن الطوارئ تمثل اختبارًا حقيقيًا لمدى جاهزية المنظومة الصحية، مشيرًا إلى أهمية التكامل بين الأجهزة التنفيذية والمؤسسات الصحية وسرعة الاستجابة للحفاظ على حياة المواطنين، بينما شدد الدكتور أحمد الأنصاري على أن التدريب والاستعداد المسبق يمثلان ركيزة أساسية للتعامل مع الأزمات الكبرى والظروف الاستثنائية.
ولا تنفصل هذه الرؤية عن التطور الذي تشهده السياسات الصحية عالميًا؛ إذ تتجه منظمة الصحة العالمية إلى التعامل مع الطوارئ والرعاية الحرجة والجراحية باعتبارها منظومة متكاملة، وأقرت استراتيجية عالمية لهذه الخدمات للفترة من 2026 إلى 2035، بهدف دعم قدرة الدول على توفير الرعاية المنقذة للحياة في الوقت المناسب.
ويأتي ذلك في ظل تغير طبيعة المخاطر نفسها، مع زيادة التحديات المرتبطة بالظواهر المناخية المتطرفة، من موجات الحر والفيضانات والعواصف إلى الأزمات الصحية واسعة النطاق، الأمر الذي يجعل استمرار عمل المستشفيات أثناء الكوارث جزءًا لا يتجزأ من مفهوم الجاهزية.
وفي قصر العيني، الذي يقترب من إتمام قرنين من تاريخه، بدا النقاش حول طب الطوارئ والكوارث أبعد من مجرد مؤتمر علمي؛ فهو يرتبط بمستقبل قدرة المؤسسات الصحية على العمل تحت الضغط، وبإعادة تعريف الجاهزية باعتبارها منظومة تبدأ بالتخطيط والتدريب ولا تنتهي إلا بعودة الخدمة إلى طبيعتها.
ففي طب الطوارئ، قد تكون الدقائق هي الفاصل بين النجاة والمضاعفات، وفي الكوارث قد تكون الجاهزية المسبقة هي الفاصل بين منظومة تصمد وأخرى تتعطل.