هي وهما
هي وهما

خارجي وداخلي

خبير آثار: المواقع الأثرية بنوك للهوية وصفحات مادية من كتاب التاريخ الإنساني

-

أعلن الدكتور أحمد رحيمة، معاون وزير السياحة والآثار لتنمية الموارد البشرية والمشرف على وحدة التدريب المركزي بالوزارة، إطلاق مدرسة الحفائر للمبتدئين في منطقتي سقارة وأبو صير، بهدف رفع كفاءة مفتشي الآثار وتطوير قدراتهم في أعمال الحفائر والتنقيب والتسجيل والتوثيق، بالتعاون مع عدد من الجهات العلمية المتخصصة.
وفى ضوء ذلك أكد الدكتور عبد الرحيم ريحان مدير المكتب الإعلامى لمجلس الآثاريين العرب، رئيس حملة الدفاع عن الحضارة المصرية أن إطلاق «مدرسة الحفائر للمبتدئين» خطوة محورية لبناء جيل جديد من الكوادر المصرية المؤهلة وفق أحدث المعايير العلمية والتقنية في مجال التنقيب والتوثيق الأثري وتعزيز القدرات والخبرات الميدانية في مختلف المواقع الأثرية على مستوى الجمهورية وتبني أحدث التقنيات فى التوثيق الرقمي والرفع الأثرى للمبانى المكتشفة من مساقط أفقية ورأسية ورسم القطع الأثرية المستخرجة والتصوير ثلاثي الأبعاد
وأضاف بأن الآثارى فى حاجة لهذا التدريب لمواكبة التطور التكنولوجي المتسارع والتحديات البيئية والبشرية المتزايدة التي تهدد المواقع الأثرية مثل التغيرات المناخية وارتفاع مناسيب المياه تحت سطحية والتقلبات الجوية الشديدة والزلازل التى تؤثر على الآثار المكتشفة والمدفونة والزحف العمراني وأعمال التنقيب خلسة لضمان سرعة الإنقاذ والتوثيق الرقمي
ونوه الدكتور ريحان إلى أن الموقع الأثرى فى حاجة إلى إدارة البيانات والصور والخرائط الرقمية وحين تدريب المفتشين على نظم المعلومات الجغرافية GIS وقواعد البيانات الرقمية يضمن حفظ هذه المعلومات ومشاركتها مع المجتمع العلمي العالمي بدقة باعتبار الحفائر العملية هى عملية توثيق منهجية لفهم تاريخ الإنسان وسياقه البيئي والثقافي، فالقيمة التاريخية للقطعة الأثرية لا تكمن فقط في جمالها أو مادتها، بل في السياق والطبقات والأشياء المحيطة بها، ووضع الأثر أثناء اكتشافه وعلاقته بالبيئة المحيطة
ويقوم الآثاريون بتوثيق الطبقات للحفاظ على تسلسل زمني دقيق للمكتشفات بكل طبقة لسهولة تأريخها ومعرفة طبيعة اللقى الأثرية المكتشفة هل تنتمى لهذه الطبقة أو العصر أم نقلت من موقع آخر وهل هذه الطبقات أصلية أم حدث تجريف للتربة وتغيير معالمها المعمارية والزمنية
ولفت الدكتور ريحان إلى أن القيمة الأثرية والتاريخية للقطع الأثرية المكتشفة لا تكمن فى قيمة مادتها إن كانت من الذهب أو الفضة بل فى المعلومة التى تمدنا بها خاصة الفخار والعظام ونوعية النباتات والتى تكشف عن مظاهر الحياة اليومية فى المنزل والعمل وأوانى الطعام ونوع الغذاء والأمراض المنتشرة وأسبابها وطرق العلاج أى صورة متكاملة عن ثقافة المجتمع فى كل عصر
وأن التقنيات الحديثة التى يتدرب عليها الآثاريون والتى تعتمد على المسح الجيوفيزيائي والتحاليل الكيميائية لعينات التربة والتصوير ثلاثي الأبعاد تساهم فى بناء صورة متكاملة عن الأثر، وأصبح دور الآثارى اليوم لا يقتصر على أعمال الحفر فحسب بل امتد ليشمل إدارة وتحليل البيانات الرقمية المستخرجة من هذه التقنيات المتطورة وقد استُبدلت الرسومات الورقية والقياسات اليدوية البطيئة بنظم التوثيق الرقمي الذي يسجل كل طبقة أثرية بدقة متناهية وتحولت المكتشفات إلى بيانات رقمية قابلة للمشاركة الفورية بين الفرق البحثية حول العالم لدراستها ونشرها علميًا، وتمكّن الباحثين من دراسة تفاصيل القطعة وسطحها وأبعادها عن بُعد دون الحاجة للمس الأثر أو تعريضه للخطر مع استخدام البرمجيات لتعويض المفقود وترميم الآثار افتراضيًا قبل الشروع في أعمال الترميم
كما ساعدت أجهزة المسح الراداري وتقنيات الليزر في معرفة ما تحت الأرض قبل بدء الحفر الفعلي، مما يوفر الوقت والجهد ويحمي الطبقات الأثرية الهشة وكذلك استخدام أجهزة دقيقة مثل "التوتال ستايشن" Total Station لتحديد إحداثيات ومواقع الآثار بدقة بالغة ضمن محيطها الجغرافى
وأشار الدكتور ريحان إلى أن التدريب على التقنيات الجيوفيزيائية والاستشعار عن بعد فى الكشف عن الآثار يحمي المواقع من التدمير ويختصر الوقت والجهد في مواجهة الزحف العمراني واستخدام الذكاء الاصطناعي والتوثيق الرقمي يخلق "نسخاً رقمية مطابقة" للأثر تضمن حفظ تفاصيله حتى لو تعرض للتلف الطبيعي كما يسهم التدريب المتقدم في الكيمياء والجيولوجيا في ابتكار مواد ترميم تتوافق مع طبيعة الأثر المصري ومقاومة لعوامل الرطوبة والأملاح الناتجة عن التغير المناخي مع تأهيل الأثريين لإدارة التدفقات السياحية ودراسة الأخطار التى تهدد الآثار من الاستثمار الخاطئ
كما يتعلم المتدربون كيفية إزالة الطبقات الترابية بدقة بناءً على التسلسل الزمني، مما يمنع خلط المكتشفات أو تدمير الشواهد الأثرية والتعامل الصحيح مع الأدوات باختيار الأداة المناسبة لكل طبقة أو لقى أثرية (مثل استخدام الفُرش الدقيقة للأواني الفخارية الهشة) مما يقلل من نسب كسر الآثار بالخطأ كما تساهم فى القدرة على التمييز السريع بين الطوب اللبن، الرماد، والتربة العادية، مما يحمي الجدران والهياكل غير الواضحة من الهدم غير المقصود، وكذلك دقة تسجيل البيانات وكتابة التقارير اليومية، وتحديد سياق كل قطعة حتى لا تضيع المعلومات التاريخية المرتبطة بالأثر ويضمن رسم خرائط ومخططات دقيقة للموقع ويضمن الإسعافات الأولية للآثار حيث يتعلم المتدربون كيفية الصيانة الوقائية الفورية للقطع المستخرجة لحمايتها من الصدمة البيئية (مثل التغير المفاجئ في الرطوبة والحرارة)، وهو ما يمنع تفتت القطع بمجرد خروجها للهواء كما يضمن التدريب العملي عدم استخدام مواد ترميم خاطئة تتفاعل مستقبلاً وتؤدي إلى تلف الأثر بدلاً من حمايته.
ويختتم الدكتور ريحان بأن مدارس الحفائر تحمل رسائل للأجيال الحالية والقادمة عن أهمية الحفاظ على المواقع الأثرية وعدم التعامل معها باعتبارها مجرد أماكن لاكتشاف الكنوز أو مجرد أحجار صامتة بل هي "صفحات مادية من كتاب التاريخ الإنساني" وجزء لا يتجزأ من هويتهم وجذورهم لأن قيمة الأثر الحقيقية تكمن في المعلومات التي يقدمها عن نمط حياة أجدادنا، علومهم، وفنونهم، وليس في قيمته المادية وأن إخراج أي قطعة أثرية من مكانها الأصلي بطريقة غير قانونية يدمر سياقها التاريخي ويجعلها صامتة لا تفيد العلم ويقتطع جزءًا لا يتجزأ من تاريخ بلادك وهويتك ويساهم فى تزوير التاريخ وسلب ذاكرة المكان والزمان لمجتمعك عبر العصور وكأنك تقطع صفحة أو فصلًا من كتاب التاريخ
وأوضح أن المواقع الأثرية "بنوك للهوية" وليست مزارات للنزهة، وأن فهم التاريخ يعزز الانتماء ويحمى الذاكرة الجماعية للأمة ضد الطمس أو النسيان أو الغزو الفكرى لعقول الشباب، الآثار هى مصدر الاستدامة الاقتصادية للأجيال القادمة ومورد متجدد ومستدام يوفر فرص عمل ومصدر دخل للمجتمع جيلًا بعد جيل يستوجب مسؤولية أخلاقية وأمانة فهى ليست ملكًا لجيلنا الحالي ليتصرف بها كيفما يشاء بل هي أمانة تسلمناها من الماضي وواجبنا تسليمها سليمة للأجيال التي لم تولد بعد