الوزراء: 97.2 مليار دولار حجم سوق الزراعة المستدامة عالميًا بحلول 2034

أكد مركز المعلومات ودعم اتخاذ القرار أن تصاعد المخاطر المرتبطة بارتفاع درجات الحرارة لا يقتصر على زيادة التكاليف والخسائر، بل يؤدي في الوقت نفسه إلى توسع ما يمكن وصفه بـ «اقتصاد التكيف»، بما يخلق أسواقًا وفرصًا استثمارية جديدة أمام الدول والشركات.
ويأتي التبريد المستدام في مقدمة هذه الفرص؛ حيث يشير تقرير «التبريد العالمي لعام 2025» الصادر عن برنامج الأمم المتحدة للبيئة إلى أن القدرة المركبة لمعدات التبريد قد تتجاوز ثلاثة أمثالها بحلول عام 2050 في حال استمرار المسار الحالي، مدفوعة بارتفاع درجات الحرارة والنمو السكاني.
وفي المقابل، يمكن لمسار التبريد المستدام أن يخفض انبعاثات التبريد بنحو 64% بحلول عام 2050، وأن يوفر ما يصل إلى 43 تريليون دولار من تكاليف الكهرباء والبنية الأساسية التي يمكن تجنبها.
وتشمل أبرز الفرص في هذا المجال التوسع في التبريد السلبي من خلال تصميم المباني للحفاظ على درجات حرارة داخلية منخفضة دون الاعتماد بصورة أساسية على أجهزة التكييف، وتطبيق معايير الحد الأدنى لكفاءة الطاقة وقوانين الطاقة للمباني، وتسريع التخلص التدريجي من مواد التبريد المسببة للاحتباس الحراري، إلى جانب الاستثمار في سلاسل التبريد والبنية الأساسية واسعة النطاق للتبريد.
وقدَّر تقرير مشترك صادر عن برنامج الأمم المتحدة للبيئة ومؤسسة التمويل الدولية في سبتمبر 2024 أن سوق حلول التبريد المستدام في الاقتصادات النامية مرشحة للتضاعف بحلول عام 2050، في حين يُتوقع أن تتوسع السوق الإفريقية بنحو سبعة أضعاف خلال الفترة نفسها. كما يُتوقع أن تسهم هذه الحلول في تحقيق وفورات اقتصادية تصل إلى نحو 8 تريليونات دولار حتى عام 2050 من خلال خفض تكاليف الكهرباء والمعدات وتقليل الحاجة إلى استثمارات إضافية في قدرات توليد الطاقة.
كما تتزايد فرص الاستثمار في المباني المقاومة للحرارة، مع الاتجاه نحو التصميم المناخي والتبريد السلبي وكفاءة الطاقة والأسطح العاكسة وتقنيات التبريد الذكية. وقد بلغت قيمة سوق مواد البناء الخضراء عالميًا نحو 285.9 مليار دولار في 2024، ومن المتوقع أن تصل إلى نحو 458.6 مليار دولار بحلول 2030.
ويمتد التكيف من المباني إلى بناء المدن الخضراء والمقاومة للحرارة، من خلال التوسع في الأرصفة والأسطح العاكسة للحرارة، وزيادة المساحات الخضراء، وتطوير البنية الأساسية القادرة على تحمل درجات الحرارة المرتفعة. وفي هذا الإطار، بلغت قيمة سوق الطلاءات الحرارية العاكسة نحو 1.76 مليار دولار في 2025، مع توقع وصولها إلى 3.49 مليارات دولار بحلول 2033، بمعدل نمو سنوي يبلغ نحو 8.5%.
وفي مجال الزراعة، يدفع ارتفاع درجات الحرارة وتزايد مخاطر الجفاف إلى التوسع في الزراعة الذكية مناخيًا، بما يشمل استخدام أصناف المحاصيل المقاومة للحرارة والجفاف وتطوير أنظمة الري وإدارة المياه. وقد بلغ حجم سوق الزراعة المستدامة عالميًا نحو 40.8 مليار دولار في 2025، مع توقع نموه إلى نحو 97.2 مليار دولار بحلول 2034، بمعدل نمو سنوي مركب يبلغ 10.2%.
كما يفتح ارتفاع المخاطر المناخية فرصًا لإعادة هيكلة سلاسل الإمداد والخدمات اللوجستية من خلال تقريب مواقع الإنتاج من المستهلكين، وتطوير سياسات إدارة المخزون، وتحسين شبكات النقل وزيادة مرونتها أمام الصدمات المناخية، إلى جانب التحول إلى وسائل نقل أكثر كفاءة وأقل انبعاثًا، بما يتيح فرصًا أمام قطاعات الخدمات اللوجستية والنقل الأخضر والمواني والسكك الحديدية وحلول إدارة شبكات التوريد.
وتبرز كذلك فرص متنامية في التكنولوجيا الصحية وأنظمة الإنذار المبكر؛ إذ يؤدي ارتفاع معدلات الأمراض والإجهاد الحراري المرتبط بتغير المناخ إلى زيادة الطلب على أنظمة الإنذار المبكر ومراقبة الأمراض وتحليل البيانات الصحية والمناخية، إلى جانب تصميم المنشآت الصحية الأكثر قدرة على الصمود أمام الظروف المناخية المتطرفة.
وفي قطاع النقل، يفتح الاتجاه نحو البنية الأساسية المقاومة للمناخ فرصًا أمام الشركات التي تطور التصميمات والمواد والتكنولوجيات اللازمة لرفع قدرة الطرق والسكك الحديدية والمواني وغيرها من مرافق النقل على تحمل الظواهر المناخية المتطرفة، فضلًا عن فرص تمويل مشروعات النقل القادرة على الصمود أمام تغير المناخ.
وفي مسار موازٍ للتكيف، يمثل التوسع في الطاقة النظيفة والمتجددة أحد أهم مسارات الحد من مسببات الاحترار العالمي، خاصة أن قطاع الطاقة يرتبط بنحو 75% من انبعاثات غازات الاحتباس الحراري. ووفقًا لتقرير «استثمارات الطاقة العالمية لعام 2026» الصادر عن الوكالة الدولية للطاقة، بلغت الاستثمارات العالمية في تصنيع تقنيات الطاقة النظيفة نحو 200 مليار دولار.
كل دولار يُستثمر في التكيف يمكن أن يحقق أكثر من 10 دولارات من الفوائد
أشار التحليل إلى تزايد أهمية التمويل الأخضر وصناديق الاستثمار المناخي؛ حيث أوضحت دراسة صادرة عن معهد الموارد العالمية في مايو 2025، شملت تحليل 320 استثمارًا في التكيف والمرونة في 12 دولة بقيمة إجمالية بلغت 133 مليار دولار، أن كل دولار يُستثمر في التكيف يمكن أن يحقق أكثر من 10 دولارات من الفوائد خلال عشر سنوات، بعائد متوسط يبلغ 27%.
كما تحقق استثمارات إدارة مخاطر الكوارث، وفي مقدمتها أنظمة الإنذار المبكر، عوائد اقتصادية مرتفعة من خلال الحد من الخسائر وحماية الأرواح والبنية الأساسية.
وفي السياق ذاته، بلغت قيمة سوق التمويل المستدام عالميًا نحو 5.87 تريليونات دولار في 2024، مع توقعات بنموها بمعدل سنوي مركب يبلغ نحو 19.8% خلال الفترة 2025–2034، مدفوعة بتزايد مخاطر تغير المناخ والحاجة إلى تمويل الطاقة النظيفة والبنية الأساسية القادرة على الصمود.
وخلص مركز المعلومات ودعم اتخاذ القرار إلى أن استمرار ارتفاع درجات الحرارة يفرض تحولًا في طريقة النظر إلى قضية التكيف المناخي، بحيث لا تُعامل باعتبارها قضية بيئية فقط، وإنما باعتبارها قضية اقتصادية واستثمارية وتنموية تؤثر بصورة مباشرة في الإنتاجية والأمن الغذائي والطاقة والمياه والصحة والبنية الأساسية والاستثمار.
وفي هذا السياق، تشير الاتجاهات العالمية التي استعرضها التحليل إلى أهمية تعزيز قدرة الاقتصادات على الاستفادة من الأسواق الجديدة المرتبطة بالتكيف، وفي مقدمتها كفاءة استخدام الطاقة والتبريد المستدام، والمباني والمدن الأكثر قدرة على تحمل الحرارة، وإدارة الموارد المائية، والزراعة الذكية مناخيًا، وسلاسل التبريد والخدمات اللوجستية، والتكنولوجيا الصحية، وأنظمة الإنذار المبكر، والبنية الأساسية المقاومة للمناخ.
وأكد التحليل أن التحرك المبكر للاستثمار في التكيف والمرونة المناخية لا يقتصر على الحد من الخسائر المحتملة، بل يمكن أن يتحول إلى مصدر لفرص اقتصادية واستثمارية جديدة، بما يجعل القدرة على التكيف عنصرًا متزايد الأهمية في تنافسية الاقتصادات والشركات خلال السنوات المقبلة.

