بتوجيهات الرئيس السيسي.. ثورة زراعية لتأمين غذاء المصريين وحق الأجيال القادمة ودعم الصادرات

منذ سنوات، تتعامل الدولة المصرية مع ملف الزراعة باعتباره ملفًا يتجاوز حدود الإنتاج التقليدي للمحاصيل، ليصبح جزءًا أصيلًا من معادلة الأمن القومي، وحائط صد في مواجهة تقلبات الأسواق العالمية وأزمات الغذاء والمياه والطاقة.
ومن هذا المنطلق، دشن الرئيس عبدالفتاح السيسي استراتيجية ورؤية تقوم على التوسع في الرقعة الزراعية، ورفع كفاءة استخدام المياه، وبناء بنية أساسية متكاملة من طرق وكهرباء ولوجستيات، بما يحول الأراضي الجديدة إلى مجتمعات إنتاجية قادرة على دعم الاكتفاء الذاتي وزيادة الصادرات.
وتؤكد البيانات الرسمية أن المساحة المنزرعة في مصر ارتفعت إلى 10 ملايين فدان في 2024، مقابل 8.9 مليون فدان في 2014، فيما حققت الصادرات الزراعية قفزات كبيرة خلال السنوات الأخيرة.
ونجحت الدولة خلال العام الماضي، في تحقيق أرقام قياسية في الاكتفاء الذاتي بعدة قطاعات، تشمل بيض المائدة والألبان الطازجة؛ حيث تم تحقيق اكتفاء ذاتي بنسبة 100%، فضلا عن اللحوم البيضاء بنسبة 97% (بإنتاج نحو 2.4 مليون طن)، إضافة إلى الأسماك، حيث تم تحقيق 93.5% من الاحتياجات المحلية.
الدولة المصرية تعيد رسم الخريطة الزراعية
ولم تعد النهضة الزراعية الجارية مقتصرة على استصلاح أراضٍ جديدة فقط، بل تقوم على حزمة متكاملة من السياسات، تشمل التوسع الأفقي بإضافة مساحات جديدة، والتوسع الرأسي بزيادة إنتاجية الفدان، وإنتاج التقاوي، والتحول الرقمي، ودعم الثروة الحيوانية والداجنة والسمكية، وتمويل المحاصيل، وربط كل ذلك بمشروعات الأمن الغذائي.
وتشير البيانات إلى أن مشروعات التوسع الأفقي وحدها تستهدف أكثر من مليوني فدان، بما يعكس انتقال الدولة من إدارة الأزمة، إلى بناء قدرة إنتاجية طويلة الأجل.
ويظهر هذا التحول بوضوح في أرقام القطاع الزراعي؛ حيث زادت المساحة المنزرعة بنسبة 12.4%، فيما ارتفعت صادرات السلع الزراعية بنسبة 74.4%، لتبلغ 7.5 مليون طن في 2023، مقابل 4.3 مليون طن في 2014.
كما سجلت الصادرات الزراعية 6.1 مليون طن بقيمة تتجاوز 3.6 مليار دولار خلال الفترة من 1 يناير إلى 4 سبتمبر 2024، ثم ارتفعت إلى 6.24 مليون طن منذ بداية 2025 وحتى منتصف يوليو من العام نفسه.
مشروع المليون ونصف المليون فدان.. ركيزة التوسع الأفقي وزيادة الإنتاج
يُعد مشروع المليون ونصف المليون فدان أحد الأعمدة الرئيسية في مشروع الدولة لتأمين الغذاء وإعادة توزيع التنمية خارج الوادي والدلتا القديمة.
ووفق البيانات الرسمية، يستهدف المشروع زيادة الرقعة الزراعية من 8 ملايين فدان إلى 9.5 مليون فدان، بنسبة زيادة 20%، إلى جانب إنشاء ريف مصري جديد قائم على قرى نموذجية ومجتمعات عمرانية متكاملة، وتعظيم الاستفادة من المياه الجوفية، وزراعة محاصيل اقتصادية واستراتيجية تسهم في سد الفجوة الغذائية، فضلًا عن إقامة صناعات غذائية وثروة حيوانية مرتبطة بالإنتاج الزراعي بهدف التصدير.
وجرى تقسيم المشروع إلى 3 مراحل؛ الأولى بنحو 500 ألف فدان، والثانية بنحو 490 ألف فدان، والثالثة بنحو 510 آلاف فدان، ولا تتوقف أهميته عند زيادة المساحة فقط، بل تمتد إلى خلق أكثر من 25 ألف فرصة عمل، ورفع صادرات مصر من المحاصيل الزراعية إلى 10 ملايين طن سنويًا وفق الأهداف المعلنة، مع فتح الباب أمام استثمارات في التصنيع الغذائي والمناطق اللوجستية والتنمية العمرانية المستدامة.
وزارة الزراعة ما بين توسيع الرقعة الزراعية ورفع جودة المحاصيل
وتتحرك وزارة الزراعة في هذا الاتجاه من خلال محورين متوازيين: الأول هو استصلاح الأراضي وتوسيع الرقعة الزراعية، والثاني هو رفع جودة وإنتاجية المحاصيل من خلال التوسع الرأسي، وإنتاج التقاوي المعتمدة، وتحسين منظومة الإرشاد الزراعي، ودعم المزارع المصري باعتباره "صمام أمان" للأمن الغذائي.
وهذا النهج المتكامل هو ما يفسر تحول الأراضي الجديدة من مجرد مساحات مضافة على الخريطة، إلى طاقة إنتاجية حقيقية قادرة على تغذية السوق المحلية ودعم التصدير.
وحققت وزارة الزراعة في عهد الرئيس السيسي طفرة غير مسبوقة في القطاع الزراعي، نظرا لما تمثله الزراعة من أهمية خاصة في دعم منظومة الأمن الغذائي بصورة مباشرة، تستهدف تحقيق تنمية متوازنة واحتوائية؛ وذلك بالتوازي مع زيادة الاستثمارات الموجهة للقطاع، وتنفيذ العديد من المشروعات الزراعية القومية الكبرى، علاوة على المتابعة المستمرة للقيادة السياسية للأداء في قطاع الزراعة، مع تهيئة مناخ الاستثمار فيه.
وشهد القطاع الزراعي تطورا كبيرا، حيث حققت الصادرات الزراعية على سبيل المثال طفرة كبيرة بفضل السمعة العالمية التي اكتسبتها نظرا لجودتها، لتتجاوز خلال الفترة من يناير وحتى أبريل 2026 أكثر من 2.8 مليون طن، في ظل نجاح مصر في تصدير أكثر من 400 منتج زراعي إلى نحو 170 دولة حول العالم.
التوسع الأفقي وغزو الصحراء
ومن ضمن المشروعات القومية المهمة والعملاقة التي عكفت الدولة على تنفيذها، مشروعات التوسع الأفقي وغزو الصحراء، باعتباره من أهم المحاور لتدعيم سياسة الاكتفاء الذاتي وتقليل الفجوة الغذائية، ويستهدف استصلاح الصحراء لزيادة الرقعة الزراعية بأكثر من 3.5 مليون فدان خلال الفترة القصيرة الماضية والقادمة، ومن أهمها مشروع توشكى الخير بمساحة 1.1 مليون فدان، ومشروع الدلتا الجديدة العملاق بمساحة 2.2 مليون فدان، ومشروع تنمية شمال ووسط سيناء بمساحة 456 ألف فدان، ومشروع تنمية الريف المصري بمساحة 1.5 مليون فدان، بالإضافة إلى المشروعات الأخرى في جنوب الصعيد والوادي الجديد بمساحة 650 ألف فدان.
وتعكف الدولة على تنفيذ هذه المشروعات العملاقة بأقصى معدلات الإنجاز، تحقيقا للأهداف المنشودة، إضافة إلى الجهود والبحوث والدراسات متعددة الجوانب، في الوقت الذي يفقد فيه العالم ملايين الهكتارات سنويا من الأراضي الزراعية بسبب الجفاف والتصحر وتدهور التربة.
ومن ضمن هذه المشروعات العملاقة، 18 تجمعا تنمويا زراعيا في شمال وجنوب سيناء، ودمج أبناء سيناء في المشروعات التنموية، إضافة إلى استصلاح ما يقرب من 11 ألف فدان؛ حيث يستفيد من هذه التجمعات بطريقة مباشرة نحو 2122 أسرة من أبناء سيناء والمحافظات الأخرى، بواقع 5 أفدنة لكل أسرة، بالإضافة إلى منزل بالتجمع السكني لكل مستفيد، فضلاً عن مشروعات جنوب الصعيد والوادي الجديد بمساحة 650 ألف فدان.
ولم تغفل الدولة المصرية عن الفلاح المصري، الذي يعد أحد أهم المعادلة في الهرم الزراعي؛ حيث قدمت له دعماً كبيراً - تقديرا لدوره التاريخي - تمثل في العديد من المبادرات المهمة، والتي يأتي على رأسها المشروع القومي للبتلو، والذي قدم تمويلاً للمربين تجاوز حتى الآن 10 مليارات و562 مليون جنيه لـ 45 ألفاً و686 مستفيداً؛ لتربية وتسمين ما يزيد على 529 ألفاً و781 رأس ماشية؛ بالإضافة إلى مبادرة مراكز تجميع الألبان، والتي اعتمدت على تطوير نحو 296 مركزاً، من بينها 41 مركزاً أنشئت في المجمعات الزراعية بقرى المبادرة الرئاسية "حياة كريمة" لتنمية الريف المصري، فضلا عن المبادرة الرئاسية "حياة كريمة" لتنمية وتطوير الريف المصري، وتحسين مستوى معيشة أبنائه، والتي أطلقها السيد الرئيس عبدالفتاح السيسي؛ حيث تم إنشاء مجمعات الخدمات الزراعية بقرى المبادرة، بواقع 329 مركزاً في 20 محافظة على مستوى الجمهورية، وتشمل 326 جمعية زراعية، و303 وحدات بيطرية، فضلا عن 302 مركز إرشادي، و41 مركزاً لتجميع الألبان، تم تجهيزها وتأثيثها بأحدث الأجهزة الفنية، في إطار دعم صغار المزارعين والمنتجين.
البحث العلمي يقود لتسجيل أصناف جديدة من المحاصيل الاستراتيجية
ووفقاً لتوجيهات الرئيس السيسي بضرورة الاعتماد على التكنولوجيا ووسائل العلم الحديث في شتى مناحي العمل، لم تغفل المنظومة الزراعية الجديدة الاعتماد على البحث العلمي؛ حيث تسير وزارة الزراعة بخطى ثابتة نحو زيادة الإنتاجية الزراعية وتقليل الفجوة الغذائية، لتنجح مؤخرا من خلال جهود الباحثين والخبراء والعلماء بمركز البحوث الزراعية، في تسجيل أصناف جديدة من المحاصيل الاستراتيجية، بعد أن تم استنباط 5 أصناف قمح جديدة تتميز بإنتاجيتها العالية، والتي تصل في الفدان إلى أكثر من 20 أردباً، كما أنها ستكون إضافة قوية لمخزون مصر الاستراتيجي من القمح.
كما تم استنباط صنفين جديدين من الأرز، بإنتاجية تتجاوز 4.5 طن للفدان، فضلا عن إنتاج 10 هجن جديدة ومتنوعة من الذرة الشامية، منها هجن فردية صفراء وبيضاء، وهجين فردي أحمر، وهجينان متخصصان (فشار وسكرية)، وهي مصممة لتحقيق أعلى إنتاجية ممكنة؛ حيث يتجاوز إنتاج أحد الهجن الفردية 30 أردباً للفدان.
كما تم إطلاق البرنامج الوطني لإنتاج تقاوي الخضر، والذي يهدف إلى تعزيز قدراتنا المحلية في إنتاج تقاوي الخضر، ما يقلل الاعتماد على الاستيراد من الخارج؛ كما أنه بفضل الجهود البحثية، تمكنت الدولة حتى الآن من استنباط وتسجيل 28 صنفاً وهجيناً جديداً لأكثر من 10 محاصيل خضر رئيسية، وهو إنجاز يعكس الالتزام بدعم القطاع الزراعي.
هجين جديد من القمح يزرع باستخدام المياه مرتفعة الملوحة
كما كشفت وزارة الزراعة واستصلاح الأراضي عن تحقيق مركز بحوث الصحراء، سبقا علميا جديدا يعد نقلة نوعية في زراعة المحاصيل الاستراتيجية باستخدام المياه مرتفعة الملوحة، وتحقيق إنتاجية مرتفعة للفدان عبر الري بمياه تصل ملوحتها إلى 8 آلاف جزء في المليون، في إنجاز نوعي لدعم الأمن الغذائي المصري، في ضوء مواجهة التحديات الزراعية بالمناطق الصحراوية ذات الإجهادات البيئية للأراضي والمياه وتعزيز الإنتاج الزراعي المستدام، في ظل تدني جودة مصادر مياه الري المتاحة.
ونجح فريق بحثي من علماء المركز في ابتكار منظومة متكاملة ومتوازنة للتسميد وتغذية النبات تعتمد على تكنولوجيا النانو والأسمدة الحيوية والعضوية، قادرة على مواجهة تحديات ملوحة التربة والمياه لاسيما من خلال زراعة المحاصيل الاستراتيجية كالقمح.
وتم تطبيق هذه المنظومة بمحافظتي الوادي الجديد وشمال سيناء خلال السنوات السابقة، حيث أكدت النتائج نجاحا ملحوظا في استخدام الأسمدة النانوية وتحقيق إنتاجية متميزة في ظل ظروف ملحية بلغت ملوحة مياه الري بها 7 آلاف جزء في المليون، كما تم خلال العام الحالي التطبيق بمنطقة المغرة التي تعاني من شدة ملوحة التربة ومياه الري، والتي بلغت نحو 8 آلاف جزء في المليون عبر زراعة القمح ببعض أراضي شركة الريف المصري الجديد، والتي طالما عانت من مشاكل ملوحة التربة والمياه دون تحقيق إنتاجية للمحاصيل الاستراتيجية.
تبطين وتأهيل الترع لتقليل الفاقد من المياه
أما وزارة الموارد المائية والري، فتؤدي دورًا حاسمًا في جعل هذا التوسع ممكنًا ومستدامًا، فمشروعات تبطين وتأهيل الترع تستهدف تقليل الفاقد من المياه الناتج عن التسرب والبخر، وضمان وصول المياه بسرعة وعدالة إلى نهايات الترع، بما يرفع إنتاجية الأراضي ويخفض تكاليف الصيانة.
كما تؤكد الوزارة أن روابط مستخدمي المياه تدعم التحول إلى نظم الري الحقلي الحديث فنيًا وماليًا، وتُحسّن توزيع المياه، وتقلل النزاعات، وتساعد على تشغيل وصيانة الشبكات بكفاءة أعلى.
وفي المعنى الأوسع، فإن كل قطرة مياه يتم توفيرها عبر التبطين أو الري الحديث لا تعني فقط خفض الهدر، بل تعني أيضًا إتاحة الفرصة لري مساحات جديدة وزيادة العائد من الفدان.
ويمنع مشروع تبطين الترع تسرب مياه الري إلى باطن الأرض، مما يوفر نحو 19 مليار متر مكعب من المياه، ويضمن توجيهها بالكامل للمحاصيل الزراعية، كما يسهم في تحسين جودة المحاصيل وتقليل تكاليف الإنتاج، ويؤدي إلى زيادة إنتاجية الفدان.
ويساعد التبطين في تحسين إدارة وتوزيع المياه، ورفع كفاءة الري من 50 إلى 75% ببعض المناطق، ما ينعكس على تحسين إنتاجية الأرض الزراعية وزيادة عائد الفلاح.
وتشير البيانات الرسمية إلى أن تكامل شبكات المياه مع أنظمة الري الحديث يمكن أن يرفع الإنتاجية بنسب تتراوح بين 30% و40% مقارنة بالري بالغمر، وهو ما يحول إدارة المياه إلى عنصر إنتاج وليس مجرد خدمة مساندة.
ربط الحقول بالمواني ومنافذ التصدير
ولا يقاس نجاح التوسع الزراعي بما يُزرع فقط، بل أيضًا بسرعة وكفاءة وصوله إلى الأسواق ومنافذ التصدير، ومن هنا جاء دور وزارة النقل، التي أعلنت في مارس 2025، تنفيذ 7 ممرات لوجيستية متكاملة لربط مناطق الإنتاج الزراعي والصناعي والتعديني بالمواني البحرية، عبر شبكة من الطرق الرئيسية والسكك الحديدية والمواني الجافة والمناطق اللوجستية.
وهذه الممرات ليست خطوط نقل عادية؛ فممر طنطا – المنصورة – دمياط يخدم مناطق الإنتاج الزراعي بوسط الدلتا ويربطها بميناء دمياط، بينما يشمل ممر القاهرة –أسوان – أبو سمبل الخط الثاني من شبكة القطار الكهربائي السريع وطريق الصعيد الصحراوي الغربي، مرورًا بمناطق الاستصلاح الزراعي في توشكى وشرق العوينات.
كما أن مشروع الدلتا الجديدة نفسه أُقيم في موقع قريب من شبكة الطرق والمواني البحرية والبرية والجوية، وهو ما يقلل تكلفة النقل والفاقد، ويرفع تنافسية المنتج الزراعي المصري في الداخل والخارج.
الطاقة تُحيي الأراضي الجديدة
وإذا كانت المياه تُنبت الأرض، فإن الكهرباء هي التي تُشغّل البنية التحتية كلها: من محطات الرفع والري إلى شبكات الخدمة والتصنيع والتخزين، ولهذا نفذت وزارة الكهرباء مشروعًا قوميًا ضخمًا لتوفير التغذية الكهربائية لمشروعات التنمية الزراعية، وفق رؤية التنمية المستدامة في مجال الزراعة في توشكى والمنيا وبني سويف وسيناء والدلتا الجديدة.
ووفق وزارة الكهرباء، تصل التكلفة الإجمالية لنقل الكهرباء إلى هذه المشروعات إلى 60 مليار جنيه، منها 35 مليار جنيه لمشروعات الدلتا الجديدة وحدها.
وفي الدلتا الجديدة تحديدًا، تتحدث الوزارة عن 9 محطات محولات رئيسية و15 خط ربط بطول 500 كيلومتر، إلى جانب محطات إضافية في روافع الحمام، وروافع رشيد، كمصادر شمالية وشرقية للتغذية، كما تم تنفيذ خطوط ومحطات بجهود عالية وفائقة لتغذية طلمبات الرفع وضمان استمرارية العمل في استصلاح الأراضي وزراعتها.
وتكشف هذه الأرقام أن التوسع الزراعي في مصر لم يعد مشروع استصلاح فقط، بل مشروع بنية أساسية متكامل، يبدأ من الطاقة ولا ينتهي عند الحصاد.
الصادرات الزراعية تدعم تدفقات النقد الأجنبي
ويظهر الأثر المباشر للتوسع الزراعي أولًا في ملف الأمن الغذائي، فكل فدان جديد يُضاف، وكل شبكة ري تُطوَّر، وكل ترعة تُبطَّن، تعني قدرة أكبر على زراعة محاصيل استراتيجية مثل القمح والذرة والبقوليات والخضر، وتقليص الفجوة بين الإنتاج والاستهلاك.
ولهذا تربط الدولة بوضوح بين استصلاح الأراضي الجديدة، وتشجيع المزارعين على التوسع في المحاصيل الأساسية، في محاولة لتقليل الاعتماد على الاستيراد وتحصين السوق المحلية ضد الصدمات الخارجية.
أما الأثر الثاني فيتمثل في الصادرات، فقد ساعدت زيادة الرقعة الزراعية، مع تحسين جودة الإنتاج ومنظومة التكويد والتتبع والالتزام بالممارسات الزراعية الجيدة، على توسيع حضور المنتجات المصرية في الأسواق الخارجية.
وتوضح البيانات الرسمية أن مصر صدرت 400 سلعة زراعية إلى 170 سوقًا، وهي أرقام تكشف أن الزراعة لم تعد فقط قطاعًا لتغطية الاستهلاك المحلي، بل أصبحت أيضًا مصدرًا مهمًا للعملة الصعبة وتوازن ميزان التجارة.
ومن زاوية الاقتصاد الكلي، فإن نمو الصادرات الزراعية يدعم تدفقات النقد الأجنبي بلا شك؛ حيث أعلن البنك المركزي المصري وصول صافي الاحتياطي النقدي إلى 52.8306 مليار دولار بنهاية مارس 2026، إلا أن هذا الرقم يعكس حصيلة مصادر متعددة تشمل السياحة، وتحويلات المصريين بالخارج، والاستثمار، والصادرات بمختلف أنواعها، ولذلك يمكن القول إن التوسع الزراعي وزيادة الصادرات الزراعية، يسهمان في تعزيز موارد مصر الدولارية.
وما يجري في القطاع الزراعي المصري ليس مجرد توسع في المساحات المزروعة، بل إعادة بناء شاملة لمنظومة الغذاء والإنتاج والتصدير، فالدولة تتحرك عبر مسار متكامل: أراضٍ جديدة، مياه مُدارة بكفاءة، طرق وسكك حديدية ومواني تخدم مناطق الإنتاج، كهرباء تصل إلى عمق الصحراء، ثم منتج زراعي يجد طريقه إلى السوق المحلية والخارجية.
ومن ثم، فإن ثورة الزراعة التي تنفذها الدولة بتوجيهات الرئيس السيسي، تمثل استثمارًا طويل الأجل في أمن المصريين الغذائي، وفي قوة الاقتصاد، وفي قدرة البلاد على توليد قيمة مضافة ونقد أجنبي من أرضها وإنتاجها.

