معلومات الوزراء: 588.1 مليون دولار القيمة السوقية للتصوير الفضائى للزراعة عالميا

أصدر مركز المعلومات ودعم اتخاذ القرار بمجلس الوزراء، تحليلاً جديداً تناول خلاله دور تكنولوجيا الفضاء في القطاع الزراعي، استعرض فيه المبادرات العالمية التي تربط بين تكنولوجيا الفضاء والزراعة، بالإضافة إلى تحديات استخدام تكنولوجيا الفضاء في القطاع الزراعي، وكذلك أهم السياسات المقترحة لمجابهة هذه التحديات والاستفادة المُثلى من تكنولوجيا الفضاء.
أوضح التحليل أن الأمن الغذائي أصبح قضية محورية عالميًا، وبخاصة مع توقع وصول عدد سكان العالم إلى 9.7 مليارات نسمة بحلول عام 2050.
ويُمثل القطاع الزراعي الركيزة الرئيسة للأمن الغذائي، سواء على مستوى المجتمعات المحلية أو على مستوى الدولي، لما يوفره من سلع أساسية تقوم عليها حياة الإنسان وتدعم الاقتصادات في مختلف الدول. ومن ثَمَّ، فإن تحقيق تنمية زراعية مستدامة ليس مجرد خيار، بل ضرورة استراتيجية لمستقبل كوكبنا ومجتمعاتنا.
وتجدر الإشارة إلى أن قطاع الزراعة يواجه العديد من التحديات، من أبرزها تغير المناخ، والظواهر الجوية المتطرفة، وندرة الموارد، والنمو السكاني. ويتطلب التغلب على هذه التحديات حلولًا مبتكرة تعزز مسار التنمية الزراعية المستدامة، بما يشمل الاستفادة من تكنولوجيا الفضاء وتعزيز البرامج الجغرافية المكانية.
أشار التحليل إلى أن تكنولوجيا الفضاء تؤدي دورًا تحويليًّا في الزراعة ورصد المحاصيل من خلال توفير بيانات دقيقة وآنية، بما يُمكِّن المزارعين وصانعي السياسات والباحثين من اتخاذ قرارات مستنيرة. وتتمثل أبرز مكوناتها في الآتي:
-صور الأقمار الصناعية وتقنيات الاستشعار عن بُعد: حيث تُزوَّد الأقمار الصناعية الحديثة بمستشعرات متعددة الأطياف، قادرة على التقاط الصور عبر نطاقات ضوئية مختلفة. وتُعالَج هذه الصور باستخدام خوارزميات متقدمة لاستخلاص مؤشرات عملية قابلة للتطبيق تتعلق بصحة المحاصيل من خلال تقييم حيوية النباتات، ورصد الضغوط الناجمة عن الآفات أو الأمراض. فضلًا عن رسم خرائط لمستويات رطوبة التربة، بما يدعم تحسين إدارة الري، بالإضافة إلى تحديد المناطق التي تعاني من نقص أو فائض في المغذيات، وكذا متابعة العوامل البيئية المُتمثلة في درجات الحرارة، والرطوبة، والكشف عن الاختلالات المناخية المحتملة.
كما تُسهم تقنيات الاستشعار عن بُعد في الكشف المبكر عن المشكلات التي تواجه الأراضي الزراعية وتدعم التدخل في الوقت المناسب، بما يساعد المزارعين على تقليل فاقد المحاصيل وتعزيز الإنتاجية.
-نظم المعلومات الجغرافية (GIS): تعمل نظم المعلومات الجغرافية على دمج بيانات الأقمار الصناعية مع البيانات الجغرافية للأراضي الزراعية؛ مما يتيح إعداد خرائط دقيقة توضح التباينات المكانية داخل الأراضي، وبؤر المشكلات والمناطق السليمة ذات الأداء الجيد، والإدارة المُخصصة للأجزاء المختلفة بالأراضي وفقًا لخصائصها، ويعد استخدام نظم المعلومات الجغرافية في رسم خرائط التربة عنصرًا محوريًّا في تطبيق تقنيات الزراعة الدقيقة المُصممة وفقًا لخصائص كل منطقة داخل الأرض الزراعية، سواء تعلَّق الأمر بالتطبيق المتغير لمعدلات الأسمدة، أو مياه الري، أو البذور. وتُسهِم هذه الدقة في تقليل الهدر، وخفض التكاليف، والحد من الآثار البيئية السلبية.
-نظام تحديد المواقع العالمي (GPS): يتيح توظيف نظام تحديد المواقع العالمي توفير بيانات دقيقة عن المواقع الجغرافية لكل عملية تُنفَّذ داخل الأرض الزراعية، بدءًا من الزراعة والتسميد، مرورًا بعمليات الرش، وصولًا إلى الحصاد.
ويضمن ذلك التطبيق الدقيق للمدخلات الزراعية، ودعم الإدارة الزراعية الموجهة حسب الموقع، وتقليل التداخل والهدر في استخدام الموارد.
أشار التحليل إلى أن البيانات المستمدة من الأقمار الصناعية، عند دمجها مع الأدوات الجغرافية المكانية والبيانات الميدانية، تمنح قدرات متقدمة لرصد الأنشطة الزراعية. وتساعد هذه التقنية المزارعين في تحديد المناطق المتضررة، مثل المناطق ذات الإنتاجية المنخفضة أو الإجهاد المائي، واتخاذ الإجراءات التصحيحية المناسبة لمعالجتها، فضلًا عن قدرة تكنولوجيا الفضاء على تغطية مساحات شاسعة من الأراضي الزراعية؛ مما يقلل الحاجة إلى العمل اليدوي ويوفر الوقت والموارد.
وفي هذا السياق، بلغت القيمة السوقية للتصوير الفضائي للزراعة عالميًّا 588.1 مليون دولار أمريكي في عام 2024، ومن المتوقع أن تصل إلى 1359 مليون دولار أمريكي بحلول عام 2034، بمعدل نمو سنوي مركب قدره 8.9% خلال فترة التوقعات (2025 - 2034).
استعرض التحليل أبرز المبادرات العالمية التي تربط بين تكنولوجيا الفضاء والزراعة:
وقدمت وكالة الفضاء الأوروبية مبادرتين رئيستين تهدفان إلى تمكين المعنيين بالتنمية والدول من الاستفادة من تكنولوجيا الاستشعار عن بُعد في القطاع الزراعي، ويتمثلان في الآتي:
- مشروع World Cereal: ويركز على تطوير نظام سحابي مفتوح المصدر لمراقبة المحاصيل على المستويين المحلي والعالمي. كما يتيح المشروع إنشاء خرائط مخصصة لأنواع المحاصيل تتناسب مع الموقع الجغرافي، وأنواع المحاصيل ذات الأولوية، من خلال الاستفادة من بيانات الاستشعار عن بُعد من برنامج كوبرنيكوس المُختص برصد الأرض التابع للاتحاد الأوروبي، وبذلك يهدف المشروع إلى زيادة الوصول إلى أدوات مبتكرة لخرائط دقيقة لأنواع المحاصيل المبنية على الاستشعار عن بُعد.
- مشروع Sen4Stat: يهدف إلى تحسين دقة وموثوقية البيانات الزراعية من خلال تطوير تقنيات الاستشعار عن بُعد. وقد صُمِّم بشكل خاص لمساعدة الحكومات والمكاتب الإحصائية على تحسين جمع البيانات والاستطلاعات باستخدام تكنولوجيا الاستشعار عن بُعد.
- مبادرة 50× 2030: تم تنفيذ هذه المبادرة من خلال شراكة بين البنك الدولي، ومنظمة الأغذية والزراعة التابعة للأمم المتحدة، والصندوق الدولي للتنمية الزراعية. وتهدف المبادرة إلى سد فجوة البيانات الزراعية من خلال تحسين التكامل مع البيانات الجغرافية المكانية في 50 دولة في إفريقيا وآسيا والشرق الأوسط وأمريكا اللاتينية بحلول عام 2030، فضلًا عن أن المبادرة تعمل على بناء برامج مسوحات زراعية متكاملة، مصممة لتلبية احتياجات الدول. ومن خلال دمج تكنولوجيا الاستشعار عن بُعد في هذه البرامج، تعزز هذه المبادرة ثقافة اتخاذ القرارات المعتمدة على البيانات في القطاع الزراعي لتحسين جودة وملاءمة البيانات الزراعية، وضمان استخدامها بشكل فعّال في اتخاذ القرارات التشغيلية.
واستعرض التحليل أبرز تحديات استخدام تكنولوجيا الفضاء في القطاع الزراعي:
-نقص المعلومات وركود الابتكار بمجال الاستشعار عن بُعد: حيث تتجه شركات الأقمار الصناعية التجارية إلى إطلاق مجموعات من الأقمار الصناعية بمواصفات متطابقة بهدف توسيع التغطية العالمية، وزيادة عدد المرات التي يجمع فيها القمر الصناعي بيانات أو صورًا للمنطقة نفسها خلال فترة زمنية معينة. ورغم أن هذا التركيز يزيد من كمية البيانات المتاحة بوتيرة أعلى مما تحتاج إليه التطبيقات الزراعية، فإنه يقلل من فرص تطوير تقنيات رصد جديدة وتنوع البيانات اللازمة لدعم الابتكار في أساليب التحليل والرصد.
-النفاذ المحدود إلى بيانات الاستشعار عن بُعد وبيانات أنظمة الملاحة العالمية عبر الأقمار الصناعية عالية الدقة: إن نسبة الأقمار الصناعية الخاصة برصد الأرض التي تقدم مجموعات بيانات يمكن الوصول إليها تمثل نحو نصف عدد الأقمار الصناعية التي توفر بيانات تجارية. وهذا يُظهِر التفاوت المتزايد في توفر بيانات الأقمار الصناعية بشكل مفتوح للاستخدام العالمي. وعلى الرغم من أن العديد من وكالات الفضاء تقدِّم كمًّا هائلًا من البيانات المجانية، فإن هناك قيودًا تظل قائمة بشأن مواصفات البيانات وقابليتها للاستخدام؛ حيث إن البيانات المجانية عادة ما تكون متوسطة أو منخفضة الدقة.
-عدم توحيد معايير اعتماد بيانات رصد الأرض وأنظمة الملاحة العالمية عبر الأقمار الصناعية: تأتي مجموعات البيانات من منصات ومستشعرات متعددة تابعة لجهات مختلفة؛ مما يسبب اختلافًا في المواصفات الخاصة بكل منها، والذي يُعقد عمليات التكامل والتحليل، وبخاصة في التطبيقات الزراعية. وعلى الرغم من تطوير معايير من قبل المنظمة الدولية للتوحيد القياسي (ISO) واتحاد الجغرافيا المكانية المفتوحة (OGC) لاستخدامات المعلومات الجغرافية المكانية والتطبيقات الزراعية، فإن اعتماد هذه المعايير على نطاق عالمي يظل تحديًا للمؤسسات المختلفة. ويرجع ذلك إلى الحواجز التقنية لدى المستخدمين الذين يفتقرون إلى الخبرات المتخصصة، بالإضافة إلى التكاليف والجهود المطلوبة لتطبيق هذه المعايير.
وسلط التحليل الضوء على أهم السياسات المقترحة لمجابهة التحديات والاستفادة المُثلى من تكنولوجيا الفضاء:
أولاً: تعزيز القدرات العالمية في استخدام بيانات الأقمار الصناعية لأغراض الزراعة، من خلال:
- تبادل المعرفة على المستويات المحلية والإقليمية والعالمية، وتوسيع نطاق برامج بناء القدرات الموجهة، وبخاصة في الدول النامية، والعمل على تعميمها وتكثيفها.
- تدريب الخبراء المحليين في مجالات تحليل بيانات الأقمار الصناعية واستخدام التطبيقات الزراعية وتطويرها.
- تحسين الثقافة الرقمية المرتبطة بالبيانات، وتعزيز نظم إدارة البيانات؛ لتقوية القدرات التقنية المطلوبة، بما يُسهِم بدوره في دعم صياغة السياسات الاستراتيجية واتخاذ القرارات المبنية على الأدلة.
ثانياً: تعزيز التنسيق الدولي في برامج الأقمار الصناعية الموجهة لقطاع الزراعة، من خلال:
- المبادرات التي تشجع على تنسيق برامج تطوير الأقمار الصناعية، وتوحيد معايير البيانات، وتوسيع نطاق الوصول إلى المعلومات المستمدة من الأقمار الصناعية، والتي من شأنها رفع كفاءة رصد الأرض، والحد من ازدواجية الجهود وخفض التكاليف التشغيلية.
- تعظيم مردود الاستثمارات في تطوير الأقمار الصناعية من خلال استراتيجيات تقاسم الموارد بين مختلف الأطراف، ويُسهِم ذلك في تعزيز الاستخدام الآمن والمستدام للفضاء من خلال تعظيم الاستفادة من البعثات الفضائية وتقليل مصادر الحطام الفضائي المحتملة.
ثالثاً: تحسين إمكانية الوصول والتشغيل البيني بين بيانات الفضاء والخدمات المرتبطة بها، من خلال:
- تنسيق عمليات اقتناء صور رصد الأرض، من خلال مركز عالمي موحد لاقتناء الصور الفضائية، من شأنه أن يعزز أوجه التكامل، ويحُد من الازدواجية.
- تعزيز استخدام المنصات ذات الوصول المفتوح، وتوحيد صيغ البيانات، واعتماد المنهجيات المعترف بها؛ مما يُسهم في رفع مستوى التشغيل البيني، وتطوير تطبيقات مخصصة تُلبي الاحتياجات الخاصة بالدول، وبخاصة في مجالي الأمن الغذائي والزراعة المستدامة.
رابعاً: ضرورة تخطيط المهام الفضائية الجديدة بهدف توسيع التغطية المكانية، بالإضافة إلى إتاحة المجال لإدماج مستشعرات جديدة؛ مما يُسهِم في تعزيز البحث العلمي عبر زيادة تنوع البيانات المتاحة.
وأوضح التحليل في ختامه أن تكنولوجيا الفضاء تُعَد عاملًا رئيسًا في إعادة تشكيل مستقبل الزراعة؛ حيث تلعب دورًا محوريًّا في تعزيز الإنتاجية، وضمان استدامة الموارد الطبيعية، والتكيف مع التحديات البيئية. فمن خلال استخدام الأقمار الصناعية وتقنيات الاستشعار عن بُعد، يُتاح للقطاع الزراعي فرص للتغلب على العديد من القيود التقليدية مثل نقص البيانات الدقيقة، والتأثيرات الناتجة عن تغير المناخ، والزيادة السكانية. وتأسيسًا على ما سبق، تُسهم هذه التقنيات في تطوير نماذج زراعية أكثر دقة وفاعلية؛ مما يدعم اتخاذ قرارات مبنية على البيانات لتحسين إنتاجية المحاصيل وجودتها.
كما توفر تكنولوجيا الفضاء إمكانيات متقدمة لمراقبة الأراضي الزراعية وإدارة الموارد الطبيعية بكفاءة وفعالية.
ومع استمرار التطور والابتكار في هذا المجال، فإن تكامل هذه الأدوات مع الممارسات الزراعية سيُسهم في تعزيز الأمن الغذائي العالمي؛ مما يساعد الدول على مجابهة التحديات المستقبلية في القطاع الزراعي.

