هي وهما
هي وهما

صحتك

خطوات يومية لإبطاء الشيخوخة.. تعرف عليها

-

في وقت كان فيه العلم ينظر إلى تدهور الدماغ كعملية حتمية مرتبطة بالتقدم في العمر، ظهر الدكتور رودولف إي. تانزي، أستاذ علم الأعصاب في جامعة هارفارد والمدير المشارك لمركز "هنري وأليسون ماكانس" لصحة الدماغ، ليغير هذه المفاهيم جذرياً. تانزي، الذي اشتهر عالمياً باكتشافه الجينات الثلاثة الرئيسية المرتبطة بمرض الزهايمر، لم يتوقف عند حدود التشخيص المخبري، بل كرس مسيرته المهنية التي تمتد لـ 46 عاماً لفهم كيف يمكن للإنسان أن يتولى زمام المبادرة في حماية جهازه العصبي.

في كتابه الشهير "الدماغ الخارق" (Super Brain)، الذي ألفه بالتعاون مع خبير الصحة الشاملة ديباك شوبرا، طرح تانزي رؤية ثورية مفادها أن الدماغ ليس عضواً ثابتاً، بل هو كيان مرن يمكن تشكيله بوعي. يجادل تانزي بأن قدراتنا على النمو والإبداع تتجاوز بكثير حدود استهلاكنا اليومي للوظائف العصبية، وأن تبني نمط حياة مدروس يمكن أن يمنحنا قدرات ذهنية استثنائية ويحمينا من الأمراض التنكسية قبل وقوعها بعقود.

الركيزة الأولى:

النوم العميق و"دورة غسيل" الدماغ

يعتبر الدكتور تانزي النوم الركيزة الأكثر حيوية في برنامجه الوقائي. فخلافاً للاعتقاد الشائع بأن النوم هو مجرد وقت للراحة، يوضح تانزي أن الدماغ يمتلك "جهاز صرف صحي" معقداً لا يعمل بكامل طاقته إلا أثناء النوم العميق.

أثناء هذه المرحلة، تتقلص الخلايا العصبية قليلاً لتسمح للسائل الدماغي النخاعي بالتدفق وغسل السموم المتراكمة، وعلى رأسها بروتين "أميلويد بيتا". هذا البروتين هو المادة اللزجة التي تتراكم لتشكل اللويحات المسببة لمرض الزهايمر. ويحذر تانزي من أن هذا التراكم يبدأ عادة قبل ظهور الأعراض السريرية بعشرين عاماً، مما يجعل النوم من سن مبكرة استثماراً طويل الأمد.

نصائح تانزي للنوم المثالي:

الكمية والجودة:

الالتزام بـ 7 إلى 8 ساعات من النوم العميق.

الطقوس القبلية:

إغلاق الشاشات (التلفاز والهواتف) قبل ساعة كاملة من النوم لتجنب الضوء الأزرق الذي يعطل إفراز الميلاتونين.

حلول بديلة:

إذا لم تسمح الظروف بنوم متواصل، يشدد تانزي على أهمية "القيلولة القصيرة"، مؤكداً أنها تمنح الدماغ فرصة إضافية للتنظيف وتعزيز الذاكرة.

الركيزة الثانية:

إدارة التوتر وتقنية "إيقاف الحوار الداخلي"

التوتر ليس مجرد شعور مزعج، بل هو حالة فيزيولوجية تفرز هرمون الكورتيزول. عندما يرتفع الكورتيزول بشكل مزمن، فإنه يتحول إلى مادة سامة تدمر الخلايا في منطقة "الحصين" المسؤولة عن الذاكرة.

يشير تانزي إلى أن العصر الرقمي الحديث خلق مستويات غير مسبوقة من التوتر بسبب الحوار الداخلي المستمر والقلق من المستقبل أو الندم على الماضي. ولعلاج ذلك، يقدم استراتيجية فريدة مستوحاة من فلسفات قديمة ويدعمها علم الأعصاب الحديث:

تدريب التفكير بالصور:

يدعو تانزي الناس إلى إغلاق أعينهم كل ساعة أو ساعتين لمدة دقيقتين فقط، ومحاولة منع أي كلمات أو عبارات من الظهور في الذهن، واستبدالها بالصور فقط. الهدف هو "إسكات الحوار الداخلي". يؤكد تانزي أن التخلص من ضجيج الكلمات وآراء المجتمع يحرر الدماغ من الضغوط، مما يجعله أكثر إبداعاً وحيوية حتى في سن السبعين.

الركيزة الثالثة:

التفاعل الاجتماعي والحماية من العزلة

لقد أثبتت الدراسات أن العزلة الاجتماعية تعد أحد أقوى العوامل المسببة للتدهور المعرفي. الدماغ البشري كائن اجتماعي بطبعه، والتفاعل مع الآخرين يتطلب عمليات عصبية معقدة تحافظ على نشاط الخلايا.

يوصي تانزي بالتفاعل اليومي مع أشخاص "نحبهم"، لأن التعامل مع أشخاص يسببون لنا الضيق يرفع مستويات التوتر ويؤدي لنتائج عكسية. وبالنسبة للمنشغلين، يرى تانزي أن التكنولوجيا يمكن أن تكون مفيدة هنا؛ فالمراسلات النصية والمكالمات الهاتفية مع الأصدقاء القدامى أو مجموعات الاهتمامات المشتركة كافية لتحفيز الدماغ وكسر طوق العزلة.

الركيزة الرابعة:

التمرين البدني و"هرمونات السعادة" للدماغ

الرياضة هي المحفز الأقوى لعملية "التكوين العصبي" (Neurogenesis)، وهي قدرة الدماغ على خلق خلايا عصبية جديدة تماماً. يوضح تانزي أن النشاط البدني لا يحسن تدفق الدم فحسب، بل يحفز العضلات على إفراز إنزيمات وهرمونات تساهم مباشرة في تكسير لويحات الأميلويد الضارة.

معادلة الـ 1000 خطوة: يستشهد تانزي بدراسات حديثة تؤكد أن كل 1000 خطوة إضافية يخطوها الإنسان يومياً يمكن أن تؤخر ظهور أعراض الزهايمر لمدة عام كامل. هو شخصياً يستخدم دراجة ثابتة في مكتبه لمدة 30 دقيقة يوماً بعد يوم، ويحرص على المشي في الهواء الطلق، مما يعزز ليس فقط صحة جسده بل وحدة ذكائه.

الركيزة الخامسة:

تعلم أشياء جديدة وبناء "الاحتياطي الإدراكي"

المشابك العصبية هي نقاط الاتصال بين الخلايا، وهي المكان الذي تُخزن فيه ذكرياتنا. مع التقدم في السن، يميل الناس إلى الروتين وتكرار المهام نفسها، مما يؤدي إلى "ذبول" هذه المشابك.

يؤكد تانزي أن تعلم مهارة جديدة—سواء كانت لغة، أو آلة موسيقية، أو حتى القراءة في مجال غريب—يؤدي إلى بناء مشابك عصبية جديدة. هذا ما يسمى "الاحتياطي الإدراكي"؛ وهو بمثابة "حصن" يحمي الدماغ. فإذا تعرضت بعض الخلايا للتلف بسبب الشيخوخة، يكون لدى الدماغ مسارات بديلة جاهزة للعمل. تانزي نفسه يطبق ذلك بعزف البيانو وتعلم مقطوعات معقدة باستمرار، مما يبقي عقله في حالة تحدٍ دائم.

الركيزة السادسة:

النظام الغذائي وصحة "الميكروبيوم"

أحدث الأبحاث التي يركز عليها تانزي هي العلاقة بين الأمعاء والدماغ (Gut-Brain Axis). اكتشف العلم أن البكتيريا الموجودة في أمعائنا (الميكروبيوم) ترسل إشارات كيميائية تؤثر مباشرة على التهاب الدماغ.

حمية تانزي المفضلة:

نظام البحر المتوسط: الغني بزيت الزيتون، الفواكه، والخضراوات.

الأطعمة النباتية:

يصف تانزي نفسه بأنه "نباتي في الغالب"، مؤكداً أن الألياف هي الغذاء المفضل للبكتيريا النافعة التي تفرز مواد تحمي الدماغ من الالتهابات.

يحذر في كتابه القادم من الأطعمة فائقة المعالجة، والبلاستيك، والتلوث البيئي، التي تعتبر أعداءً خفيين لصحة الخلايا العصبية.

في سن السابعة والستين، يجسد الدكتور رودولف تانزي مثالاً حياً لنجاح استراتيجيته؛ فهو يعمل بحماس أكثر من أي وقت مضى، ويمارس هواياته، ويقود أبحاثاً عالمية. رسالته للجميع هي أن الوقت لم يفت أبداً للبدء. فمن خلال خطوات بسيطة—نوم كافٍ، تأمل قصير، مشي منتظم، وجبة صحية، وتواصل مع صديق—يمكننا بناء "درع" يحمي أغلى ما نملك. إن صحة دماغك هي التي تحدد جودة عالمك، وبناء هذا الدرع يبدأ بقرار واعي اليوم.